شيء عن الأخلاق والسياسة!
أ.د عامر حسن فياض
عندما نريد عقلنة السياسة وترشيد الساسة ينبغي عدم تجاهل الأخلاق التي تستبعدها عصابات العولمة الرأسمالية المتوحشة عن التفكير والعمل السياسي بإستخدام شتى أساليب الخداع والتضليل لتجعل من السياسة نجاسة مابعدها نجاسة.
إن وقفه عند أفكار ماركوس شيشرون ( 106ق.م – 43 ق.م) تجيب عن سؤال العلاقة بين الاخلاق والسياسة. لقد عاصر شيشرون الحقبة الأخيرة من النظام الجمهوري وقيام الدكتاتورية العسكرية على يد (يوليوس قيصر) تمهيداً للتحول الى النظام الامبراطوري الروماني. وتسببت آراءه في مناهضة الديكتاتورية الى تقديمه للمحاكمة وإدانته والحكم عليه بالإعدام بعد عام واحد من مقتل يوليوس قيصر.
يتأسس الفكر السياسي عن شيشرون على قواعد ذات طبيعة قانونية، تستند إلى نظرية القانون الطبيعي، وتنتهي صياغة شيشرون لنظرية القانون الطبيعي وتفسيره الأخلاقي لها إلى نتائج سياسية مهمة فيما يتعلق بأصل السلطة السياسية ومصدر شرعيتها ووظفيتها وشكلها وتداولها، ولخص “جورج سباين” تلك النتائج في أن شيشرون جعل بناء الدولة وإستمرارها مرهوناً بإستنادها إلى الإعتراف بحقوق مواطنيها، ومسؤوليتها عن التجسيد العلمي لوعيها بهذه الحقوق، وتعميق وعيهم بها، وإقامة علاقاتها المشتركة معهم استناداً إليها. وينظر شيشرون الى الدولة على أنها جماعة معنوية، أي مجموعة أشخاص يمتلكون الدولة وقانونها بالمشاع بينهم، لذلك فهو يعرف الدولة بأنها ” مصلحة الناس المشتركة” وهي مصلحة مستندة إلى الأخلاق وقائمة عليها. فإذا لم تكن الدولة قائمة لأغراض أخلاقية ولا على أسس أخلاقية، وإذا لم يكن قوامها الروابط المعنوية التي تجمع الناس بعضهم إلى بعض، فلن تكون في رأيه سوى عصابة مسلحة من قطاع الطرق، غايتها سلب أموال الناس على أوسع نطاق ممكن، بما يعني أن خروج الدولة على القواعد الأخلاقية يُفقدها حقيقة كونها دولة. وبقدر تعلق الأمر بالناس الذين قال شيشرون إن الدولة تعبير عن “مصلحتهم المشتركة” فإنه لم ير فيهم مجرد مجموعة أفراد مجتمعين كيفما اتفق، بل رأى أنهم الأفراد المجتمعون في أعداد كبيرة، ويربط بينهم توافق آرائهم بصدد القانون والحقوق، ورغبتهم المشتركة في حياة جماعية يساهمون فيها بما يعود عليهم جميعاً بالخير والنفع المشترك. ويجعل هذا التصور من الدولة شبيهة بالمؤسسة المساهمة التي تكون عضويتها حقا ً عاماً ومشتركاً بين جميع مواطنيها، وهي مسؤولة عن تزويدهم بثمار التعاون المتبادل والحكم العادل.
هكذا تكون الدولة، عند شيشرون، نتاجاً طبيعياً للغريزة الاجتماعية عند الإنسان، ومؤسسة عقلانية أخلاقية، وليست مخلوقاً ناجماً عن الطبيعة المصلحية الإنانية اللاأخلاقية للأفراد. ولعل مما يلفت النظر في مفهوم الدولة عند شيشرون، تأسيسه الاجتماع المدني على رابطة قانونية تنشأ عنها السلطة السياسية أساساً، فبدلاً عما افترضه العقل السياسي اليوناني من أن أساس قيام الدولة هو مجموعة الأفراد المتحدين سياسياً وفقاً لقيم عليا وأهداف مشتركة، افترض شيشرون أن أساس قيام الدولة هو الإجتماع البشري المرتبط برابطة قانونية، تجعل منه كياناً اجتماعياً – سياسياً مزوداً بسلطة قانونية سيدة. وبذلك يكون شيشرون قد صاغ المبادىء العامة التي تحدد طبيعة السلطة السياسية بما يجعلها في ظل تلك المبادىء وبفعلها :
-
سلطة سياسية مصدرها الاجتماع الإنساني.
-
سلطة سياسية تستند ممارستها الى القانون الناشىء عن هذا الاجتماع والمنظم لشؤونه وتفاعلاته.
-
سلطة سياسية تستند ممارستها الى أسباب قيمية، وتستهدف تحقيق أهداف أخلاقية.
