سياسة “نصف الحرب” لا ترضى أحداً في بريطانيا!
يجد كير ستارمر نفسه محاصراً بين إهانات ترامب المتكررة لتردده في المشاركة في العدوان على إيران وإدانات تقرير كوربين حول تواطؤ جنائي للحكومة البريطانية في إبادة غزة
سعيد محمد *
مع استمرار العدوان الذي تشنه الولايات المتحدة مع إسرائيل ضد إيران، وتصاعد ضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على حلفائه الغربيين للتورط عسكرياً في الحرب، استعادت بريطانيا كابوس قرار حكومة حزب العمل بالانخراط في غزو العراق عام 2003، حيث تجد حكومة كير ستارمر نفسها أمام مأزق تاريخي يربط بين طموحات واشنطن العسكرية المتفلتة وبين التزامات لندن القانونية والأخلاقية، خاصة مع تصاعد الاتهامات الداخلية بالتورط في جرائم حرب وإبادة جماعية.
وكانت حكومة حزب العمل – يسار الوسط – قد سمحت باستخدام القواعد العسكرية البريطانية كمنصات إطلاق لعمليات القصف الأمريكية بالقاذفات الاستراتيجية ضد إيران. وسجل ناشطون هبوط وإقلاع طائرات “بي-52″ و”بي-1” المحملة بالقذائف الثقيلة بينما تتجه لتنفيذ مهام قتالية في الشرق الأوسط من قاعدة سلاح الجو الملكي بفيرفورد (مقاطعة غلوسترشاير). وأثار هذا النشاط الجوي المكثف حفيظة سكان المناطق الريفية الهادئة المحيطة بالقاعدة، مستحضرين دورها المحوري خلال غزو العراق قبل عقدين، حين تحولت إلى ساحة كبرى للاحتجاجات المناهضة للحرب ضد انطلاق القاذفات الثقيلة التي دمرت البنى التحتية في العراق.
ويعكس القلق الشعبي البريطاني المتزايد فجوةً عميقة بين الشارع وبين سياسة التبعية التاريخية لواشنطن التي تحكم توجهات النخبة الحاكمة، حيث أظهرت استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسة “يوجوف” أن ما يقرب من ثلثي البريطانيين يعارضون الهجمات الأمريكية الإسرائيلية الحالية. ووصف سكان محليون في بلدة فيرفورد الوضع بأنه استنساخ لسيناريو عام 2003، حين سار رئيس الوزراء الأسبق توني بلير خلف الرئيس جورج بوش الابن دون تفويض دولي واضح. ورغم محاولات كير ستارمر طمأنة الجمهور بأن استخدام القواعد البريطانية، بما في ذلك قاعدة “دييغو غارسيا” في المحيط الهندي، يقتصر على الأغراض “الدفاعية”، إلا أن نواباً في البرلمان البريطاني شككوا في هذا التوصيف القانوني، معتبرين أن تزويد الطائرات بالوقود والذخائر لضرب منشآت داخل إيران يمثل عملاً هجومياً صريحاً يجعل بريطانيا شريكة في العدوان.
وتواجه الحكومة البريطانية ضغوطاً سياسية هائلة من حزب الأحرار الديمقراطيين وقوى يسار الوسط التي جددت مطالبها بجلسة مساءلة برلمانية عاجلة حول طبيعة الانخراط البريطاني في العدوان على إيران. ويرى مراقبون أن ستارمر، الذي بنى جزءاً من رصيده السياسي على معارضة حرب العراق، يجد نفسه اليوم متهماً بتقديم “تسهيلات لوجستية” لعدوان غير مبرر تفتقر أهدافه للاستراتيجية والوضوح والأساس القانوني. وقال ناشطون مناهضون للحروب إن تحليق القاذفات الأمريكية فوق المنازل الحجرية القديمة في الريف الانجليزي أعاد للذاكرة الجمعية البريطانية دروس الفشل في العراق، محذرين من تحول بريطانيا مجدداً إلى تابع ينفذ أجندات واشنطن المتوحشة دون مراعاة للأمن القومي البريطاني أو القانون الدولي.
ويزداد المشهد تعقيداً مع تحذيرات الاستخبارات البريطانية من ردود فعل محتملة في الساحة الداخلية، وهو ما جعل الخوف يتسرب إلى أوساط المواطنين الذين يخشون أن تصبح بريطانيا هدفاً لعمليات انتقامية نتيجة تسهيل مهام القصف الأمريكي.
التردد الرسمي في الانخراط العسكري الكامل، مقابل تقديم تسهيلات ميدانية للجيش الأمريكي، يضع لندن في حالة ال”نصف حرب”، وهي وضعية تثير غضب الرئيس ترامب الذي كرر إهاناته لستارمر وتوعده بقوله “سنتذكر ذلك”، وفي الوقت ذاته تثير غضب الشارع البريطاني الذي يرفض دفع فواتير حروب واشنطن الإمبريالية الجديدة.
من جهة أخرى، وتوازياً مع تعالي الجدل حول محاذير التورط بالعدوان على إيران، نشرت لجنة تحقيق برلمانية غير رسمية، برئاسة الزعيم السابق لحزب العمال جيرمي كوربين وبمشاركة خبراء في القانون الدولي، تقريراً مفصلاً من 112 صفحة يتهم الحكومة البريطانية بالتورط المباشر في جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة. وخلص التقرير إلى أن الوزراء البريطانيين، وفي مقدمتهم كير ستارمر ووزيرة الخارجية إيفيت كوبر، فشلوا في الوفاء بالالتزامات القانونية التي تفرضها اتفاقية منع الإبادة الجماعية، بل ساهموا في تسهيل الجرائم الإسرائيلية عبر استمرار تراخيص تصدير الأسلحة وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
وطالب جيرمي كوربين الحكومة بالتعاون الفوري مع المحكمة الجنائية الدولية (ICC) للتحقيق في مسؤولية الوزراء الجنائية، مشيراً إلى أن بريطانيا تخلت عن مكانتها كدولة تحترم سيادة القانون الدولي. وكشف التقرير أن وزارة الخارجية البريطانية تعمدت استخدام منهجية “مُضَلِّلة” لتقييم مدى احترام إسرائيل للقانون الدولي؛ حيث قامت بفحص 413 حالة هجوم فردي على المستشفيات والمدارس، لتخلص في النهاية إلى وجود انتهاك واحد فقط، في عملية وصفها التقرير بـ “التعامي المتعمد” عن التدمير الشامل للمنظومة الصحية والمدنية في غزة.
ويشكل هذا التقرير ضغطاً انتخابياً كبيراً على حزب العمال الحاكم مع اقتراب الانتخابات المحلية في مايو 2026. وتعهدت أحزاب الخضر وحركات المستقلين بجعل التورط البريطاني في حرب الإبادة بغزة القضية المركزية في الحملات الانتخابية، مما يهدد قواعد الحزب في مناطق عديدة تشهد تعاطفاً كبيراً مع القضية الفلسطينية. ونقلت الصحف عن البروفيسور نيف جوردون، المشارك في رئاسة اللجنة، قوله إن صمت الحكومة تجاه انتهاكات القانون الدولي في فلسطين هو الذي مهد الطريق لقبولها المشاركة اللوجستية في العدوان على إيران، معتبراً أن غياب المحاسبة يغري المسؤولين بتكرار هذه الجرائم.
ودعا التقرير إلى وقف فوري لكافة أشكال التعاون العسكري مع إسرائيل، وتعليق اتفاقية التجارة معها، وفرض عقوبات اقتصادية شاملة عليها، وأوصى بفتح تحقيق عام ومستقل، ونشر كافة البيانات المتعلقة برحلات الاستطلاع التي قامت بها القوات الجوية البريطانية فوق قطاع غزة لتزويد إسرائيل بالمعلومات. ويرى حقوقيون أن استمرار تصدير قطع غيار طائرات “إف-35” لإسرائيل، رغم علم الحكومة باستخدامها في قصف المدنيين، يضع الوزراء البريطانيين في موضع الشريك التام في الجريمة وفقاً للمعايير القانونية الدولية.
إن التداخل بين كابوس “العراق -2″ و”تقرير كوربين عن غزة” يضع ستارمر، الذي يجد نفسه محاصراً بين سندان تحالف بلاده التاريخي مع واشنطن ومطرقة اتهامات التواطؤ الجنائي في حرب الإبادة، بشكل متزايد أمام خطر تلاشي الشرعية للحكم نتيجة الانهيار الحاد في نسب التأييد له داخل حزب العمل نفسه ناهيك عن المستوى الشعبي، ما يهدد استقرار حكومته ويقوض قدرتها على المناورة، ويرفع من حدة الاستقطاب السياسي في الشارع البريطاني يميناً ويساراً. وتزيد إهانات ترامب شبه اليومية له من صعوبة موقفه، فيما لم ينجح صمته المطبق تجاه تقرير “لجنة كوربين” في تهدئة الشارع، بل زاد من قناعة قطاعات عريضة من الناخبين بأن سياسة بلادهم مفتقدة للسيادة، ومحكومة بمصالح واشنطن وتل أبيب، كما لو كانت مجرد مملكة أخرى من ممالك الخليج.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-03-21