سوريا تتوازن…!
أضحوي جفال محمد*
للاستقرار اكثر من مفهوم. وفقاً للمفهوم الامني كان الوضع القبلي المتناحر في جزيرة العرب نموذجاً حيّاً للاضطراب وعدم الاستقرار. اما بالمفهوم التاريخي فانه يمثل الحالة الاكثر استقراراً.. لماذا؟ لأنه قابل للاستمرار على حاله الف عام دون ان يحدث تغيير نوعي في المجتمع. الغزوات بين تلك القبائل هي الحالة الطبيعية لا الطارئة، ولا احد في المجتمع ينشد الخروج منها الى وضع مختلف. انها عملية استيعاب كلي لروح وتطلعات وطاقات الانسان قابلة للديمومة. كذلك هو الحال لاستقرار الدول اليوم وفقاً للزاوية التي ينظر منها الناظر. فالامريكان وهم اللاعب الرئيسي في المشهد السوري يعتمدون مبدأ ادارة الازمات لا انهائها. وبما ان سوريا الان باتت تحت السيطرة فانها استقرت بمفهومهم ويستطيعون ادارة الازمة فيها بأريحية.
المرتكز الامريكي في سوريا، كما هو في العراق، الجزء الكردي من البلاد. ولتحقيق التوازن بصدده لم يُعترف بوجود عرب في مقابل الاكراد العراقيين وانما جُزّىء العرب طائفياً ليصبح الاكراد الكتلة الوازنة قبل ان يتشرذموا سياسياً. المسألة في سوريا اسهل بكثير، فالتنوع اكثر والموارد الاقتصادية أقل، لذلك لم يساور الامريكيين القلق الا في الايام الاولى من الاحداث، بعدها اصبح كل شيء تحت السيطرة عبر مجموعة من التوازنات المتداخلة.
التوازن الاول بين شرق الفرات وغربها؛ تسيطر قسد على %40 من سوريا، وتسيطر هيأة تحرير الشام على نفس النسبة، وما تبقى جيوب خارجة عن الطرفين. وحين تتأمل الوضع تجد ان الجزء (العربي) من سوريا فيه موازنات اخرى وصراعات ومشاكل تشغله عن مجرد التفكير بالتعرض لقسد. لذلك أُعلن امس عن مباشرة الولايات المتحدة بانشاء قاعدة عسكرية في كوباني. كوباني تقع في اقصى الغرب من اقليم قسد، على الحدود التركية، وكان الاكراد مستعدين للتضحية بها عند الضرورة، وطرحوا قبل ايام مشروعاً لجعلها منطقة منزوعة السلاح. الان زال القلق وزالت المخاوف.
ملاحظة مهمة: المعروف في السياسة الامريكية ان تبدّل الرؤساء لا اثر جوهرياً له على السياسات الخارجية. فالخطط تسير غير سائلة عمن يدخل البيت الابيض او يخرج منه. هذا التقليد لم يعد قائماً واصبحت المناكفات همّ الرئيسين. لذلك فإن هذا المنشور ومثيلاته يختص بعهد بايدن وربما يعاد النظر به جذرياً بعد اسبوعين حين يتقلد ترامب.
( اضحوي _ 2004 )
2025-01-04