سنوات ضوئية تفصل بين الموقفين الإسرائيلي والفلسطيني ..!
كتب ناجي صفا
كل المؤشرات لما يجري من مفاوضات في مصر لإبرام صفقة تبادل تشي بفشل هذه المفاوضات ، بسبب اختلافات جوهرية في الأسس المادية والموضوعية في النظرة لطبيعة الصراع .
فالمستوى السياسي الإسرائيلي وقع في سوء تقدير الواقع لما يعرف بالقضية الفلسطينية ، فقد سيطر على هذا التقدير عاملين أساسيين حكما الرؤية الإسرائيلية للموضوع .
العامل الاول هو نظرة التفوق السياسي والعسكري للعدو الصهيوني على الفلسطينيين ، اما العامل الثاني وهو الاهم فهو شعور المستوى السياسي الإسرائيلي بانتهاء ما يعرف بالقضية الفلسطينية على ضوء التطورات التي تشهدها المنطقة ، من تطبيع في العلاقات ، ومن اقرار بوجود العنصر الإسرائيلي كجزء من النسيج السياسي والإجتماعي في المنطقة، وانخراط الكيان الصهيوني في علاقات سياسية واقتصادية وتجارية وامنية مع بعض دول المنطقة وهو يأمل بإستكمال هذا المسار مع الدول المتبقية ، الامر الذي يؤكد ان هذا الكيان اضحى جزءا اصيلا من البنيان السياسي والإقتصادي في المنطقة ، ويمكن ان يلعب دورا رئيسيا ورياديا فيها في ظل الإقرار العربي بهذا الوجود وترسيخه ، وربما الإعتقاد أنه سيكون له الدور الاول في المنطقة يمكنه من اجتراح مخارج للوجود الفلسطيني في فلسطين .
جاءت عمليه طوفان الاقصى لتطيح بهذا التصور الذي بنى عليه الإسرائيلي رؤيته ، وتبين عقم الرؤية الإسرائيلية ، وانها رؤية قابلة للهزيمة .
مع وقوع معركة طوفان الاقصى التي وجهت صفعة قاسية للمستويين السياسي والعسكري في تل ابيب ، طرح نتنياهو تصوره لأهداف المعركة في غزة ، واعتبر ان المقاومة عاجزة عن مواجهة التفوق الإسرائيلي ، وانه يمكنه حسم المعركة في مدة وجيزة ومن ثم العودة للمنظور الاول من انخراط اسرائيل في البنيان السياسي والإقتصادي للمنطقة ، واكمال مسيرة التطبيع ، وتكييف المنطقة لتكون موائمة للرؤية الإسرائيلية بدفع واحتضان أميركي .
اظهرت النتائج على الارض عكس ذلك تماما ، وتبين ان المقاومة تمتلك من مقومات المواجهة والصمود ما يجعل الجيش الإسرائيلي عاجزا عن حسم المعركة برغم الخسائر ومستوى الدمار والإيذاء الذي مارسه بحق الشعب الفلسطيني في غزة ، وبرغم شلالات الدم ، صمدت المقاومة والحقت بهذا الجيش خسائر فادحة اضطر بعض ضباطه للكشف عنها ، الأهم في الموضوع ان الشعب الفلسطيني لم يرفع الراية البيضاء ، ولم ينقلب على المقاومة .
عادت الامور الى المربع الاول من حركة الصراع الوجودي بين اسرائيل والفلسطينيين ، دفع ذلك نتنياهو لان يعلن ان هذه الحرب هي حرب التكوين ، في محاولة لإضفاء بعدا دينيا عليها استنادا الى سفر التكوين في التوراة.
اسرائيل في مأزق ، فهي عاجزة حتى الآن عن تحقيق نصر يمكنها من فرض شروطها ، ومن الذهاب مجددا الى مسيرة التطبيع ، وتكريس وجودها في المنطقة ، وفي نفس الوقت هي عاجزة عن التراجع ، لأن ذلك سيعني هزيمتها هزيمة نكراء ، ربما تهدد وجودها وتسقط الهرم السياسي واامعنوي الذي بنته، وتبين من خلال معركة طوفان الاقصى انه هيكل من ورق .
يحاول نتنياهو في المفاوضات التي تشهدها العاصمة المصرية الآن ان يحقق عبر التفاوض ما عجز عنه في الميدان ، فهو يريد استرداد الأسرى لتخفيف الضغط الشعبي الواقع عليه من المجتمع الإسرائيلي، ليعود بعد ذلك لآستكمال معركته بشكل اشرس ربما ، آملا في تحقيق نتائج بعد ان يكون قد نزع ورقة الأسرى الإسرائيليين من يد المقاومة ، وهي ورقة القوة التي تبني عليها المقاومة موقفها في تحرير اسراها من جهة ، وفي وقف لإطلاق النار ووقف العدوان ، وفي تحقيق شروط سياسية تتصل بإنهاء الحصار وادخال المساعدات ، واعادة البناء ، كما في رسم مستقبل القضية الفلسطينية عبر رسم مستقبل غزة من جهة اخرى .
الرؤى متباعدة جدا بين الفريقين الفلسطيني والإسرائيلي، بسبب نظرة كل منهما لطبيعة الصراع ، على انه صراع وجودي .
لن يبق امام المقاومة الا امر واحد ، وهو رفع كلفة هذه الحرب لدى العدو ، بجعله عاجزا عن تحمل هذه الكلفة ماديا وبشريا رغم التضحيات الجلى التي ستقدمها على المستوى البشري والمدني . على المقاومة ايضا الإستفادة من التحول الذي يشهده العالم ، ويعبر عن نفسه عبر التظاهرات الضخمة في العواصم الكبرى ، وانقلاب الرأي العام العالمي على اسرائيل بسبب همجية المجازر التي ترتكبها بحق النساء والاطفال ، وبسبب ما تحدثه من جوع ودمار لن يستطيع العالم تحمله مهما تعرض له من ضغوط. لا سيما ان احتمالات ارتفاع منسوب الحرب لتصبح اقليمية قد يصبح أكثر قابلية ، اضافة الى احتمالات انفجار الوضع العربي بوجه النظم السياسية الساكتة والمنتظرة لما سيسفر عنه الحل الاميركي في المنطقة .
2023-12-26
