بريطانيا…..
سقوط سترامر/صعود برنهام، تبديل وجوه لا يضمن تغيير السياسات
يستعد آندي برنهام لوراثة داونينغ ستريت كسابع رئيس وزراء للمملكة المتحدة خلال عقد وسط اقتصاد مأزوم، واستقطابات مجتمعية، وحزب حاكم نزف شعبيته بعد عامين من السلطة
سعيد محمد*
دخلت الحياة السياسية في بريطانيا فصلاً جديداً أمس بعد إعلان رئيس الوزراء كير ستارمر تنحيه عن قيادة حزب العمل، تمهيداً لمغادرته داونينغ ستريت خلال أسابيع، في لحظة تختصر صورة اهتزاز المملكة المتحدة منذ بريكست (استفتاء التخلي عن عضوية الاتحاد الأوروبي عام 2016)، وتضع البلاد أمام سابع رئيس وزراء يمر على مقر الحكم ب10 دوانيينغ ستريت خلال عقد واحد، وسط اقتصاد متباطئ، وخدمات عامة منهكة، وحزب حاكم يملك أغلبية برلمانية واسعة لكنه نزف سريعاً جزءاً كبيراً من الطاقة السياسية التي حملته إلى السلطة عام 2024.
سقوط ستارمر لم يكن حدثاً مفاجئاً تماماً، بل نتيجة تراكم طويل من التآكل السياسي داخل الحزب – المحسوب على يسار الوسط – وخارجه. فقد جاء إلى الحكم على أنقاض أربعة عشر عاماً من حكم المحافظين الفاسد، حاملاً وعوداً بالاستقرار والكفاءة والنزاهة بعد سنوات من الفضائح والانقسامات والاضطراب الاقتصادي، غير أن فوزه الساحق أخفى مشكلة أعمق: الناخبون عاقبوا المحافظين وأسقطوهم بلا رجعة قريبة أكثر مما كانوا قد منحوا ستارمر تفويضاً صريحاً. وبينما كانت الأغلبية البرلمانية حاسمة ل”العمل”، ظلت العلاقة الشعبية مع الزعيم الجديد باردة، ومترددة، ومفتوحة على التبدل لدى أول اختبار.
بدأت الأزمة سريعاً من بوابة الاقتصاد. فالحكومة التي وعدت بإعادة الثقة إلى مؤسسات الدولة البريطانية وجدت نفسها سريعاً أمام الفجوة المالية المتسعة والضغوط على أسواق السندات الحكومية إضافة إلى خدمات عامة تحتاج إلى تحديث بما لا تسمح به قواعد الانضباط المالي التي تبناها ستارمر ووزيرة خزانته راشيل ريفز. وقد حققت الحكومة بعض الخطوات الاجتماعية المهمة، بينها رفع الحد الأدنى للأجور إلى 12.71 جنيهاً في الساعة اعتباراً من أبريل/نيسان الماضي، وتعزيز بعض حقوق العمال والمستأجرين، لكنها اصطدمت بغضب شعبي واسع بسبب قرار تقليص مدفوعات وقود الشتاء للمتقاعدين – قبل التراجع الجزئي عنه لاحقاً -، وهو القرار الذي رسخ صورة حكومة تتغول على الفئات الضعيفة بينما تثرثر عن العدالة الاجتماعية.
البوابة التالية كانت من ناحية المواقف الأخلاقية لطاقم السلطة مع انحياز السلطة الفاقع لإسرائيل في خضم حرب الإبادة التي تشنها في غزة، وتالياً فضيحة الهدايا والتبرعات العينية التي طالت ستارمر شخصياً وكبار رجالات السلطة، من تذاكر المباريات والحفلات إلى الملابس والنظارات والإقامة المدفوعة، وهي تفصيلات بدت صغيرة في قيمتها السياسية والمالية المباشرة، لكنها أصابت الوعد المركزي الذي جاء به حزب العمل إلى الحكم: إعادة النزاهة إلى السياسة. فبعد سنوات من اتهام المحافظين بالفساد والتربح الشخصي من المناصب، وجد ستارمر نفسه في موقع صعب، وباتت صورته كمدع عام سابق ورجل مؤسسات تتآكل أمام سردية ترددت داخل قواعد الحزب وخارجه رسمته محافظاً أكثر من المحافظين.
ثم جاءت قضية تعيين بيتر ماندلسون سفيراً في واشنطن لتعمق الشكوك حول كفاءة الحكم. فضيحة تامة مرتبطة بآليات الفحص الأمني لشاغلي كبار المناصب في الدولة وعلاقات ماندلسون الوثيقة بقواد القاصرات الأمريكي جيفري إبستين، وما تبع ذلك من استقالات وتوترات في أعلى مستويات الدولة. ومنذ تلك اللحظة، أصبح النقاش داخل الحزب أقل ارتباطاً بقدرة ستارمر على البقاء في منصبه، وأكثر ارتباطاً بالكلفة التي سيدفعها “العمل” إذا دخل الانتخابات المقبلة تحت قيادته.
في الخلفية، كانت الخريطة الانتخابية للبلاد تتغير أيضاً بسرعة غير مسبوقة. فحزب “الإصلاح” – أقصى اليمين – بقيادة نايجل فاراج تقدم في مناطق كانت تقليدياً مضمونة ل”العمل”، مستفيداً من الغضب من الهجرة، وتراجع الثقة بالدولة، وشعور قطاعات واسعة من الناخبين بأن الطبقة السياسية الليبرالية في لندن تتحدث لغة لا تشبههم. في المقابل، جذب حزب الخضر جزءاً من الجناح اليساري والناخبين الشباب والغاضبين من موقف الحكومة من حرب غزة ومن سياساتها الداخلية المترددة. وكان أن أكدت خسائر الانتخابات المحلية والفرعية المتلاحقة حقيقة الانهيار المتسارع في شعبية الحزب الحاكم لمصلحة اليمين الشعبوي واليسار البيئي والاجتماعي في آن.
وسط هذا التخبط، صعد آندي برنهام بوصفه نقيضاً سياسياً وسايكولوجياً لستارمر. عمدة مانشستر الكبرى منذ 2017، والوزير السابق بنى صورته خلال السنوات الماضية كسياسي يتحدث بلغة الشمال الإنجليزي، ويدافع عن اللامركزية، والنقل العام، والاستثمار المحلي، واستعادة الدولة لدورها العملي في حياة الناس، ومنحته تجربة إعادة تنظيم الحافلات في مانشستر دليلاً ملموساً على قدرته على تحويل الشعار الاجتماعي إلى سياسة يومية يلمسها المواطنون العاديون.
عودة برنهام إلى مجلس العموم عبر فوزه في انتخابات ماركرفيلد الفرعية منحته الشرعية البرلمانية التي كان يحتاجها للمنافسة على قيادة الحزب ومنصب رئيس الوزراء. وما إن أعلن ستارمر تنحيه حتى اختار ويس ستريتنغ، أحد أبرز الأسماء المحتملة في السباق، الانسحاب ودعم برنهام، الأمر الذي حول معركة الخلافة من سباق مفتوح بين شخصيات طامحة إلى مزاج أقرب إلى التتويج السياسي، خصوصاً مع رغبة عدد كبير من نواب العمل في تجنب صيف طويل من الحرب الأهلية في صفوفهم. وإذا بقي الدعم النيابي على حاله، قد يجد برنهام نفسه في 10 داونينغ ستريت خلال أسابيع، حاملاً وعداً بإعادة الحزب إلى لغة أكثر شعبية وأقل تكنوقراطية، لكن دون برنامج محدد.
لذلك فإن سقوط ستارمر/ صعود برنهام لا يعني بالضرورة نهاية الأزمة البريطانية، وإنما انتقالاً بها إلى مستوى جديد. فالرجل الذي يوصف أحياناً بـ”ملك الشمال” يمتلك بالتأكيد كاريزما أكثر من ستارمر، ولديه تاريخ وزاري طويل في الصحة والثقافة والخزانة، وتجربة محلية ناجحة نسبياً في مانشستر الكبرى. لكنه يرث دولة مضغوطة مالياً، وخدمات صحية وتعليمية تواجه تحديات جمة، ومواطنين أنهكتهم سياسات التقشف المستمرة منذ الأزمة المالية العالمية 2008، وأسواقاً قلقة تراقب أي انحراف عن الانضباط المالي، فيما حزبه مصاب بالانفصام بين قاعدة تطالب بالعدالة الاجتماعية، وقيادات تحرص على طمأنة المستثمرين.
برنهام سيرث أيضاً ملفات خارجية صعبة، من دعم أوكرانيا مالياً وعسكرياً إلى إعادة ضبط العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، ومن إدارة ترامب الجامح إلى التعامل مع أزمات الشرق الأوسط والطاقة والهجرة. ولعل تحديه الأساسي سيكون في ابتداع لغة سياسية جديدة تقطع مع تردد مرحلة ستارمر من دون أن تسقط في وعود إنفاق يصعب تمويلها، وتتصدى ل(إصلاح) فاراج في مناطق العمل التقليدية من دون استعارة قاموس اليمين الشعبوي الانعزالي، وتستعيد ثقة يسار الحزب من دون إفزاع الوسط الانتخابي الذي منح الحزب أغلبيته في الانتخابات العامة عام 2024.
لذلك تبدو خلافة ستارمر اختباراً مزدوجاً: هل يستطيع الزعيم الجديد إنقاذ حزب العمل من تفكك قاعدته الشعبية، وهل تستطيع بريطانيا أن تستعيد فكرة الحكم المستقر بعد عقد من التخبط السياسي وتقلب الوجوه الباهتة في المنصب التنفيذي الأهم في البلاد؟ الإجابة تكمن في قدرة برنهام على ترجمة الغضب الاجتماعي المتراكم إلى مشروع حكم، واللامركزية الإدارية إلى إصلاح حقيقي، واللغة الشعبية لليسار إلى سياسات قابلة للتنفيذ تمس سريعاً حياة المواطنين (وجيوبهم)، وهذه كلها لم تتبلور بعد في صيغة برنامج عمل. بريطانيا لا تحتاج اليوم رئيس وزراء جديد، بقدر ما يلزمها انهاء مرحلة استمرت طوال عقد كامل صار فيه تغيير شاغلي المنصب مسار تخلي النخبة الحاكمة عن معالجة أسباب الأزمة نفسها.
لندن
2026-06-24