” سبحة” العراق..!
سلام مسافر
تخاصم عراقيان يعملان بالسياسة في بث تلفزيوني مباشر على ” السبحة” اي المسبحة بالعامية العراقية.
أحدهما ،معروف عنه المناكفة، والحدة والصراحة، لم يحتمل مشهد نظيره
” يجقجق” بمسبحة صغيرة؛ لا تنم عن تدين، وطلب منه التوقف قائلا:
” لسنا في مقهى او جلسة خاصة”!
أنزعج الاخر وغضب وأزبد وارعد، وضاع من وقت البرنامج الحواري 11 دقيقة.
ليس مهما ماذا ناقشا في المناظرة التلفزيونية ، المهم ان المسبحة تحولت الى تفاحة آدم وكادت تؤدي الى اشتباك، بالأيدي، المشهد المالوف في البرامج الحوارية العربية، منذ ان عاكس أحدهم الاتجاه الاخر على الشاشة الزرقاء .
“السبحة ” في عراق ما بعد الاحتلالين، تمثل العلامة الفارقة للزمر الحاكمة، وغالبيتها تنتمي الى أحزاب ومليشيات دينية، بل ان صورة أنتشرت في سنوات سابقة، يظهر فيها كل وزراء الحكومة أثناء الاجتماعات ” بتزينون” بمسابح طويلة( عيار 101 خرزة) وغالبيتها تلتمع بالفضة.
تظهر مسبحة ” دولة” الرئيس على الطاولة الابنوس من أثاث القصور الرئاسية الفخمة التي أستولى على اغلبها لصوص بغداد الحاكمون وفق فرمانات أميركية وبريطانية وإيرانية.
مسبحة ضيف البرنامج لا يبدو انها من صنف وزراء الطوائف؛ لكنها استفزت نظيره فقد اعتبرها مظهرا من عدم الاحترام للمشاهدين لأن المسبحة ملهاة، فيما شعب العراق يعيش فصولا تلو الفصول من مأساة لا تنتهي.
يتحمل الوزراء والمسبحون بحمد الاحتلالين المسؤولية مباشرة عن خراب البلد. وظهورهم في الاجتماعات مع مسابح طويلة؛ علامة على انهم لا يجيدون غير النهب والسلب، هدّامون لا بناة، كسالى غارقون في مستنقع الجهل والدجل.
كنت اقترحت على احدهم، من باب الطرفة، حين كان الجدل محتدما حول تغيير العلم الوطني، ان يضعوا مع شعار الله أكبر صورة مسبحتين مطعمتين بالفضة يرمزان الى دجلة والفرات.
السياسي إياه ، ناقش الفكرة بجدية ولم يفهم النكتة. وعندها أيقنت ان العراق مقبل على كوارث لا نظير لها.
كان ذلك أثناء أول زيارة لوفد من مجلس الحكم الى موسكو في
” دورته الشهرية” برئاسة عبد العزيز الحكيم.
ومع ان العراقيين، ومنذ ظهورها، يختلفون حول المسابح، ويتجادلون ساعات وساعات حول الاتكيت الخاص بها؛ الا انه لم يتوافق الحكام عليها كما تصادف مع ذيول ما بعد الاحتلال، وباتت ” السبحة” علامة فارقة بمن فيهم جلال طالباني الذي ظهر غالبا أمام الملأ يلعب بالمسبحة كما شاء له اللعب بمقدرات العراق وثرواته.
وحين سالت مرة، مقربا منه عن
سر تعلق” فخامته” بالمسبحة وهو
” الماركسي المعتق” عاشق المدام وسهرات الليالي على قرع الدفوف، اجاب انها عادة لازمت “مام جلال” منذ ان ترك التدخين.
وحين عاجلته:
” ألا يفكر بالاقلاع عن الحكم”؟
أجاب:
لا .. لا.. ليش ؟
لا ندري ما اذا كان ” المام ” مدخنا في حياته فلسنا من مجالسيه ؛ بيد ان ما نعرفه علم اليقين ان جلال ومن لف لفه؛ استخفوا بالعراق وشعبه، حدا لم يراعوا فيه لا الشكل ولا المضمون في إدارة او بالاحرى عدم ادارة الدولة بل الاصح اللادولة.
يعكس غضب ضيف البرنامج التلفزيوني من مسبحة نظيره،شعور قطاع من العراقيين؛ بغياب معايير السلوك وان كانت شكلية، في مجتمع يعامل المسبحة على انها عادة مرتبطة بالكسل وتضييع الوقت في المجالس والمقاهي.
ومن يسبح بحمد الله؛ فانها في خدمته اثناء فروض الصلاة ويشترك في ذلك المؤمنون المسيحيون واليهود والمسلمون، وقد اخذوها من أتباع الديانات الاخرى قطعا، لانه من غير المتخيل ان العرب،عاربة ومستعربة كانوا يجدون وقتا لطقطقة حبات المسابح ويتركون السقاية والتجارة والزراعة والرعي في الصحراء القاحلة.
اما تجار الدين في العراق المحتل؛ فقد تركوا العمل و باتوا يتلهون بالمسابح بيد ويسرقون بالأخرى وحولوا بلد النهرين العظيمين، أرض السواد إلى يباب من السبابة الى الشاهد !
2022-06-21