الوطنية العراقية نتغنى بها ونحكي عنها من زمان ولم نعشها ونذق طعمها بعد ! اختلطت عندنا بالقومية دون ان نميز بينها وبين القومية كمشروع فكرة ومسار نظام حيث بقى العراق الكيان الجزء من السلطنة العثمانية سابقاً لينتقل الى العراق الكيانات صعبة اللملمة وطنياً لان الترابط الوطني لم يُفهم بعد بوصفه صيرورة عملية تأريخية وليست رغبة عقيدية تتحقق لحالها..
ان الترابط الوطني في العراق كان ومايزال مهمة ينبغي ان تنجز انطلاقاً من مقدمة تفيد ان الانسان كائن اجتماعي، وان الترابط الوطني شكل من اشكال الروابط الاجتماعية التي تُنظم على اساسها حياة الانسان وعلاقته في اطار الجماعة الانسانية ومن ثم فان قدم الرابطة الوطنية، تابع من توابع قدم الوجود الاجتماعي الانساني نفسه، لكن مايميز الرابطة الوطنية ، هو تطورها وتراوحها بين مستوياتها الثلاثة (الشعوري ، الفكري والسياسي) وان كل مستوى من هذه المستويات الثلاثة يقاس بدرجة تطور هذه الرابطة الوطنية وتعقيداتها بما يتناسب ومستوى تطور المجتمع ودرجة تعقيده من جهة، ويعكس، من جهة ثانية، الادوات والاساليب المستخدمة للتعبير عن هذه الرابطة وتجلياتها الواقعية.
وقد اتضح ان المستوى الوجودي السياسي للترابط الوطني، هو آخر المستويات الوجودية والصورة الاعمق والاكثر تطوراً ونضجاً لعلاقة الارتباط الوطني في تاريخ المجتمعات الانسانية، وانه المستوى الاوسع والاشمل ، لانه يضم في اطاره المستويين، الوجودين السابقين له (المستوى الشعوري والمستوى الفكري) ومضامينهما. كما ان المستوى السياسي يستكملهما بعناصر ومضامين جديدة ذات طبيعة سياسية وقانونية تنقل الوحدة السياسية من كيان الى دولة. بيد ان المستوى الوجودي السياسي للترابط الوطني لايمثل ظاهرة مشتركة بين المجتمعات كلها لإرتباطه بالتطورات التأريخية التي بدأت في اوربا الحديثة بتأثير مجموعة عوامل وخصائص موضوعية شهدتها بلدان تلك القارة في عصر النهضة ومابعده على الاصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، حيث تداخلت هذه العوامل وتفاعلت ليولد عنها المستوى الوجودي السياسي للترابط الوطني الذي تجسد على الصعيد العملي في ولادة شكل جديد من اشكال الدول هي الدولة الوطنية (دولة الامة) وسلطتها المركزية القائمة على اركان ومفاهيم سياسية جديدة تمثلت بالشعب والاقليم والحكومة والسيادة، وحلت قوى ومفاهيم جديدة، في هذه الدول الوطنية ، محل القوى والمفاهيم السابقة، إذ حلت البرجوازية محل الاقطاع وسلطة الشعب محل سلطة الملوك المطلقة، والعلمانية محل السلطة الدينية الكنسية، والفكر المادي محل الفكر المثالي، والعقل الناقد محل العقل الخاضع، والقوى الوطنية ودولتهم الحديثة محل القوى الاقطاعية الكنسية ووحداتها السياسية القديمة ( امارات وولايات وممالك وامبراطوريات).
لقد كان حدوث التحولات المذكورة انفاً ايذاناً بولادة اوضح الصور الفكرية للوطنية والتي وجدت تجسيدها النظري والعملي في نظريات وتجارب وطنية، اختلفت فيها محاولات التنظير للوطنية عن بعضها في جوانب وزوايا مختلفة، وتمثلت ابرز تلك المحاولات في نظرية وحدة المصير السياسي ونظرية التحرر، ونظرية التحديث / التصنيع ونظرية التأقلم الثقافي ، ونظرية انهيار الاستعمار.
وقد انطلق تصنيف هذه النماذج الوطنية من الاسهامات النظرية الهادفة الى تصنيف الحركات الوطنية ابتداءاً من تصنيف (لويس وورث) الرباعي للحركات الوطنية (التوحيدية، الخصوصية، الهامشية، الاقلية) مروراً بتصنيف (ناصيف نصار) لتصورات الامة في نموذج الفكر المشرقي الحديث المتمثل بــــ (التصورات اللغوية ، التصورات الدينية ، التصورات الاقليمية والتصورات السياسية) وصولاً الى التفسيرات الخاصة بنشوء الامم وتكوين الوطنيات التي توزعت بين التفسير الغيبي والتفسير الذاتي الارادي والتفسير الموضوعي والتفسير المركب الذاتي والموضوعي لنشوء الوطنية.
وهكذا نستنتج من دراسة التجارب الوطنية الفرنسية والالمانية والامريكية ان ولادة التجربة الوطنية في التاريخ الانساني تمت في ظروف تاريخية متنوعة، بقدر ماهي مختلفة من امة الى اخرى، وان كل تجربة منها اسست لنفسها مرتكزاتها الخاصة التي انطلقت منها، واستندت في تفسيرها لظروف نشأتها وعوامل تطورهان وان كل واحدة من هذه التجارب قابلة للتطابق الى حد كبير مع احدى التفسيرات الخاصة بنشوء الامم وتكوين الوطنية. وأمام العراق فرصة تشكيل الوطنية ضمن اطار دولة الامة العراقية كيما تصبح الوطنية في العراق حقيقية وليس وهم وفعل وليس قول.
2023-04-12