زيارة ترامب للخليج : تحالفات مشروطة وصفقات تحت الطلب!
توفيق سلام
تعكس عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض استمرارية في العقيدة السياسية التي تبناها خلال ولايته الأولى، وتحديدًا في تعامله مع الشرق الأوسط بوصفه ساحة صفقات لا تحالفات ثابتة. فالرئيس الأمريكي، المعروف بتجرده من الكياسة الدبلوماسية التقليدية، يعيد طرح منطق الحماية مقابل المال، من دون مواربة، مستخدمًا أدوات الضغط المباشر لابتزاز الحلفاء ودفعهم لتمويل الاقتصاد الأمريكي، لا سيما من خلال الاستثمارات والصفقات العسكرية الضخمة.
مقايضة صفقات
منطقة الخليج، وفي مقدمتها السعودية، تبقى حجر الزاوية في هذه المقايضة السياسية، حيث تتقاطع المصالح الأمنية مع الطموحات الاقتصادية.
ويكشف المشهد الحالي أن ترامب لا يطلب المال فقط، بل يفرض شروطًا تتجاوز البعد الاقتصادي نحو إعادة صياغة موازين القوى الإقليمية. فمطالبه من السعودية بتريليون دولار للاستثمارات في بلده، وصفقات أسلحة تأتي في سياق استعراض ما يعتبره “إنجازات استراتيجية” للرياض. مقابل تحجيم إيران بالاتفاق النووي، وضرب اليمن وايقاف العمليات البحرية، وتفكيك حزب الله واسقاط نظام الأسد، وتحييد العراق ودعم الموقف الإسرائيلي.
السؤال المحوري: ماذا يحمل ترامب في جعبته للخليجيين بشأن غزة؟
ترامب قد يقدم وقفًا محدودًا للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، أو دعماً لتهدئة مؤقتة، لكنه لن يدفع باتجاه إنهاء جذور الصراع، ولن يُلزم إسرائيل برفع الحصار بالكامل، إلا بشروط تصب في مصلحة الاحتلال. ليس الأمر أكثر من تسهيل دخول المساعدات للغذاء والدواء، وفتح المعابر بشكل جزئي أو انتقائي، سيُقدم كـ”مكرمة”، بشرط أن لا يُفتح أي مسار دولي لمحاكمة إسرائيل، وأن لا تُستخدم المنابر الخليجية أو العربية للهجوم على تل أبيب. بالاضافة إلى دعم صفقة تبادل الأسرى، لإضعاف حماس سياسيًا.
بمعنى صفقة تبادل الأسرى بين حماس وإسرائيل قد تُدعم أمريكيًا في الظاهر، لكن هدفها الحقيقي سيكون كسر حماس سياسيًا، عبر إخراجها من دائرة “المقاومة المستقلة”، وإدخالها في مسار تفاوضي مراقب ومدجن.
مشروع إعادة إعمار غزة، ستُعرض على الخليج كمجال استثماري، ولكن بشروط، أن تُدار العملية عبر شركات غربية أو إماراتية مرتبطة بالغرب.
وأن تتزامن مع خطوات تطبيعية تدريجية مع إسرائيل (على مستوى العلاقات أو الإعلام أو الاقتصاد).
مفهوم السلام
ترامب يعيد طرح مفهوم “السلام الاقتصادي”، وهو خطاب قديم يسوق للفلسطينيين فرص عمل ومشاريع مقابل قبولهم بالأمر الواقع السياسي، أي الاحتلال. ويريد من الخليج تمويل هذا المشروع على حساب الحق الفلسطيني.
فما الهدف الأمريكي من هذه الرؤية؟ والإجابة هي،
شرعنة الاحتلال الإسرائيلي من بوابة إنسانية. ومنع أي تحول جذري في الوعي الخليجي الشعبي الداعم لغزة، عبر إغراقه بشعارات التنمية والمساعدات.
وفي المحصلة استخدام الملف الفلسطيني كرافعة لابتزاز الخليج ماليًا وسياسيًا، بحيث يُجبر على تمويل المساعدات وربما أيضًا التطبيع التدريجي. فغزة في خطة ترامب ليست جرحًا يجب مداواته، بل ورقة يجب تسعيرها. وإذا أراد الخليجيون مساعدات إنسانية لغزة، فعليهم أن يدفعوا الثمن، مالاً لإسرائيل، وتطبيعًا سياسيًا، وصمتًا على جرائم الاحتلال.
وما يبدو مقايضة مباشرة، يخفي في طياته شبكة معقدة من التحولات الإقليمية والدولية. فالعلاقات السعودية الإيرانية، التي تشهد تقاربًا غير مسبوق بوساطة صينية، تهدد الدور الأمريكي كوسيط وحيد، وتعيد صياغة أولويات الخليج من المواجهة إلى التهدئة، ومن التبعية إلى التوازن. وهذا ما لا يروق لواشنطن أو تل أبيب، اللتين تستفيدان من بقاء “الفزاعة الإيرانية” قائمة لابتزاز الحلفاء.
وتأتي مشاريع ترامب الاقتصادية في الإمارات وقطر، وكذلك مطالبه دول أخرى في المنطقة، في إطار منظومة متكاملة لا تعتمد فقط على الحلفاء التقليديين، بل تسعى لتحويل الشرق الأوسط إلى سوق أمريكية واسعة، تمول حروب واشنطن وتشتري أسلحتها وتستضيف قواعدها، بينما تبقى رهينة للقلق الدائم من “الإيراني” أو “الفراغ الأمني”.
الأمن ليس مجانًا
السياسة الترامبية، بوضوحها الفج، تفضح منطق الهيمنة الأمريكية التقليدية، وتعيد تأكيد أن واشنطن لا تقدم الأمن مجانًا، ولا تنخرط في تحالفات إلا إذا كانت مربحة. ولعل هذا ما يفرض على دول المنطقة، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية الكبرى، أن تعيد النظر في علاقاتها، وأن تتجاوز منطق “الدفع مقابل الحماية” إلى معادلة أكثر نضجًا واستقلالًا، توازن بين شراكات الشرق والغرب، وتستثمر في السلام لا التبعية.
ترامب، كما يبدو من سلوكه، لا يسعى فقط لتحصيل أموال الخليج، بل لإعادة فرض نمط من الهيمنة المقنعة يقوم على إخضاع التحالفات الاقتصادية الناشئة للرقابة الأمريكية، خصوصًا تلك التي تميل شرقًا نحو الصين وروسيا والهند.
المطالبة باستثمارات ضخمة ومشروطة، وربط الحماية بمقابل مالي وسياسي، هي أدوات لضمان أن لا تذهب دول الخليج بعيدًا في إعادة تشكيل مراكز نفوذ جديدة.
لكن ماذا يعني ذلك للصين وروسيا والهند؟
الصين، المستهدف الأول مبادرة “الحزام والطريق” تمر عبر الخليج، وموانئ الإمارات والسعودية تشكل نقاط عبور استراتيجية. إذا ضمنت واشنطن أن تبقى الاستثمارات الخليجية موجهة نحو السوق الأمريكية، فإنها عمليًا تسعى لتحجيم الدور الصيني، ومنع تشبيك بنيته التحتية الاقتصادية في المنطقة.
وكانت الولايات المتحدة قد سعت إلى انشاء مشروع “الممر الاقتصادي الهندي-الشرق أوسطي- الأوروبي”.
وقد أُعلن عنه رسميًا في قمة مجموعة العشرين التي عُقدت في الهند في سبتمبر 2023، ويهدف إلى ربط الهند بدول الخليج ثم بأوروبا عبر مسارين: بحري من الهند إلى الإمارات والسعودية. ومسار بري من السعودية إلى الأردن ثم إسرائيل، ومنها إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط.
ويُعد هذا المشروع بديلًا استراتيجيًا لمبادرة الحزام والطريق الصينية، وتدعمه كل من: الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الهند، السعودية، الإمارات، الأردن، وإسرائيل. ومؤخرًا أعلن ترامب فرض رسوم جمركية على دول عديدة، ثم تراجع، لكن الصين لم تستثن من الرسوم في ظل حرب ترامب التجارية المفتوحة على الصين.. ويبدو الآن يتراجع عن قراراته بالاتفاق مع الصين،
حيث أعلنت الولايات المتحدة والصين عن اتفاق لخفض الرسوم الجمركية بين البلدين لمدة تسعين يومًا في طريق سعيهما لنزع فتيل التوتر التجاري بين الجانبين. وقال وزير الخزانة الأمريكي “بيسن” أنه “بعد المفاوضات بين الطرفين في جنيف توصلا إلى اتفاق: لتخفيض واشنطن رسومها الجمركي على السلع الصينية من 145% إلى 30% خلال تسعين يومًا. في المقابل ستخفض الصين الرسوم الجمركية على السلع الأمريكية من 125% إلى 10% خلال نفس المدة”.
وأضاف بيسن أن “القرار سيدخل حيز التنفيذ ابتداء من ال14 من الشهر الجاري”. هذا وأكد نائب رئيس مجلس الدولة الصيني خاليفينج أن ” العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الطرفين مربحة، مشيرًا إلى استعداد بكين للعمل مع واشنطن لتوسيع مجالات التعاون الثنائي. وقال:” اتفق الطرفان على انشاء آلية للتشاور الاقتصادي والتجاري بين البلدين”.
أما روسيا، وإن كانت أقل حضورًا اقتصاديًا، إلا أن تعاونها العسكري مع بعض دول الخليج كالإمارات وتنسيقها النفطي مع السعودية في “أوبك+”، يثير قلقًا أمريكيًا. خطاب ترامب العدواني تجاه إيران يمكن أن يكون وسيلة أيضًا لعرقلة النفوذ الروسي الذي يمر عبر طهران ودمشق.
وبالنسبة للهند ودول شرق آسيا، على الرغم من حداثة نفوذها، فإنها تُعد مستهلكًا رئيسًا للنفط الخليجي، وتربطها علاقات استثمارية وتجارية متنامية، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا والطاقة. تحجيم هذه العلاقات أو مراقبتها بشروط أمريكية، يعني بالضرورة إبقاء واشنطن كـ”المصفاة النهائية” لأي تبادل اقتصادي كبير.
فهل تستطيع أمريكا إغلاق هذه الأبواب؟
عمليًا، لا.. لكنها تعمل على جعل كل باب يفتح نحو الشرق مراقبًا أو خاضعًا لشروط أمريكية، إما من خلال القواعد العسكرية، أو من خلال التزامات اقتصادية كبيرة تستنزف القدرة الخليجية على التوسع في الشراكات الشرقية. كما أن أمريكا توظف “فزاعة إيران” والتوترات الإقليمية لإبقاء الخليج في دائرة الخوف والارتهان الأمني، ما يدفعه للبقاء تحت المظلة الأمريكية رغم تنويع شركائه الاقتصاديين.
بمعنى ما يجري اليوم هو سباق نفوذ على الخليج، حيث تسعى أمريكا، وخاصة في عهد ترامب، لإعادة رسم خطوط النفوذ ومنع تشكل مراكز ثقل جديدة خارجة عن السيطرة الغربية. لكن هذا يتطلب من دول الخليج ذكاءً استراتيجيًا للموازنة بين الضغوط الأمريكية وفرص الانفتاح على الشرق، دون الوقوع في فخ التبعية المطلقة لأي طرف.
2025-05-13