تصعيد اليمني وتبلور حلف مكة الدفاعي: تحول استراتيجي في أمن الشرق الأوسط!
د. طالب الشوكة
شهد المشهد اليمني والإقليمي موجة تصعيد عسكري واسعة النطاق، تداخلت فيها أبعاد الصراع المحلي مع تحولات جيوسياسية كبرى؛ إذ برزت ملامح ما يُعرف بـ “حرب المطارات” بين جماعة “أنصار الله” (الحوثيين) والسعودية، بالتزامن مع تفعيل ترتيبات وتفاهمات دفاعية إقليمية جديدة تُعرف بـ “حلف مكة الدفاعي”.
أولاً: التصعيد الميداني و”حرب المطارات”
شنّت جماعة “أنصار الله” سلسلة هجمات مكثفة باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، استهدفت بنى تحتية ومطارات حيوية داخل السعودية، تركزت على. مطار الملك خالد الدولي بالرياض.مطار أبها الإقليمي وقاعدة خميس مشيط.
أسفرت الهجمات على مطار الرياض عن أضرار مادية وتدمير طائرة شحن وسقوط ضحايا مدنيين، مما أربك حركة الطيران المدني وأدى لإلغاء رحلات عديدة. وفي المقابل، كثّف التحالف بقيادة السعودية غاراته الجوية على مواقع عسكرية في صنعاء ومحافظات أخرى ك تعز والبيضاء، بالتزامن مع إطلاق الحكومة اليمنية عمليات برية (مثل عمليات “فجر اليمن”) لاستعادة مناطق محيطة بمضيق باب المندب كمديريتي “ذوباب” و”المخا”.
ثانياً: “حلف مكة الدفاعي”.. البنية والآليات التنفيذية
جاء هذا التصعيد متزامناً مع إعلان تفعيل “حلف مكة للدفاع المشترك” بين السعودية، تركيا، وباكستان، والذي يمثل نقطة تحول في هندسة الأمن الإقليمي بالشرق الأوسط والبحر الأحمر.
أبرز مرتكزات الحلف:
مبدأ الدفاع الجماعي: استناداً إلى المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، يعتبر الحلف أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الجميع.
الهيكلية الإدارية. تأسيس أمانة عامة دائمة للحلف مقرها الرياض، وتعيين الفريق المتقاعد الباكستاني نعمان محمود أميناً عاماً لمدة ثلاث سنوات لتنسيق الجوانب العسكرية والاستخباراتية.
. تقتصر الآليات التنفيذية على تقديم الدعم التقني، والدفاع الجوي، وتأمين الممرات البحرية والمجال الجوي، دون إرسال قوات برية هجومية لخوض حروب داخل الأراضي اليمنية.
ثالثاً: التوازنات الإقليمية والمواقف الدولية
تباينت المواقف والتصريحات الإقليمية حول نطاق الحلف وطبيعة المشاركة فيه. باكستان والتوازن الحذر: رغم تقارير إعلامية تحدثت عن مشاركة مقاتلات باكستانية في ضربات جوية، سارعت وزارة الإعلام الباكستانية لنفي هذه الأنباء قاطعةً بـ”فبركتها”. وتؤكد إسلام آباد التزامها بحماية أمن الأراضي السعودية كحليف استراتيجي، مع تجنب الانزلاق المباشر في اليمن لتفادي التصادم مع أطراف إقليمية كإ يران. تركيا والدفاع البحري.أدانت أنقرة هجمات الحوثيين وأعلنت انضمامها لجهود تأمين الملاحة في البحر الأحمر وتقديم الدعم الدفاعي للرياض، مع استبعاد تام لإرسال قوات هجومية خارج حدودها، مشددة على أن الحلف “دفاعي بحت”.
الموقف الإيراني وتغيّر المعادلات. تنظر طهران بريبة إلى هذا التكتل باعتباره محاولة لتطويق نفوذها. في المقابل، تُبرز السعودية وشركاؤها الحلف كخطوة نحو “إقليمية متعددة الأقطاب” تُقلل الاعتماد على الضمانات الأمنية الغربية التقليدية وتعتمد على ثقل عسكري يضم أكثر من 1.3 مليون عسكري.
الشائعات والتكهنات. تداولت أنباء استخباراتية إمكانية إرسال سوريا لمقاتلين، غير أن دمشق المنشغلة بأولوياتها الداخلية لم تصدر أي قرار رسمي، لتبقى هذه الأنباء في إطار الحرب الإعلامية والتكهنات.
رابعاً: موقف جماعة “أنصار الله” (الحوثيين)
تعاطت جماعة الحوثي مع التطورات الأخيرة بلغة شديدة التصعيد ميدانياً وسياسياً:
اعتبرت الجماعة استهداف المطارات السعودية “حقاً مشروعاً للرد” على الغارات والحصار، مؤكدة استمرار استهداف البنى التحتية حتى توقف العمليات ضد مناطقها.
رسائل موجهة لإسلام آباد وأنقرة. انتقدت قيادات انصار الله ما وصفته بسعي الرياض “لتوريط دول إقليمية”، ودعت الرأي العام في تركيا وباكستان للضغط على حكوماتهما للنأي بنفسها عن الصراع.
لوّح الحوثيون بأنه في حال تحول الحلف إلى مشاركة ميدانية أو ضربات مباشرة ضد اليمن، فإن لائحة أهدافهم ستتوسع لتشمل مصالح أي طرف يشارك في العمليات العسكرية ضد مناطق سيطرتهم.
يعكس تبلور حلف مكة الدفاعي بالتوازي مع حرب المطارات مرحلة جديدة من الصراع، تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية لتُعيد رسم توازنات القوة في الشرق الأوسط والبحر الأحمر، بين رغبة إقليمية في فرض مظلة ردع صلبة لحماية الملاحة والاقتصاد، وإصرار حوثي على إبقاء خطوط المواجهة مفتوحة للضغط على الرياض.
2026-10-18