زلزال أمني في المكسيك بعد تصفية “إل مينتشو”!
تفجر العنف عبر عشرين ولاية في المكسيك إثر عملية عسكرية مباغتة نفذتها قوة عسكرية خاصة بالتنسيق مع المخابرات الأمريكية أسفرت عن مقتل نيميسيو أوسيغيرا، زعيم كارتل “خاليسكو”
سعيد محمد*
تشهد المكسيك ارتدادات زلزال أمني واقتصادي عميق الأثر عقب تنفيذ القوات الخاصة المكسيكية عملية عسكرية ضد نيميسيو أوسيغيرا سيرفانتس، الملقب بـ”إل مينتشو”، مؤسس وزعيم كارتل المخدرات “خاليسكو الجيل الجديد”. أثمرت هذه الضربة المباغتة عن مقتل الزعيم المطلوب دولياً، مطلقة موجة انتقامية دموية من أتباعه شلت الحركة في مدن رئيسية ووجهات سياحية عالمية.
استندت العملية، المنفذة بالتنسيق الوثيق مع المخابرات الأمريكية، إلى استراتيجية تتبع دقيقة استهدفت الدائرة الضيقة المحيطة بالزعيم. راقبت الأجهزة الأمنية تحركات إحدى عشيقات “إل مينتشو” برفقة شخص مقرب منها، وصولاً إلى مجمع كبائن خشبي يقع في منطقة غابات جبلية تابعة لبلدة تابالبا بولاية خاليسكو، لتباغت قوات خاصة المكان (فجر الأحد)، مسنودة بغطاء جوي كثيف من ست مروحيات وطائرات مسيرة. وقد واجهت القوات المهاجمة مقاومة شرسة من حرس الزعيم الشخصي الذين استخدموا عناصر أسلحة ثقيلة شملت قاذفات صواريخ محمولة على الكتف، فيما أسفر التبادل الكثيف لإطلاق النار عن إصابة مروحية عسكرية وإجبارها على الهبوط الاضطراري، وتعرض “إل مينتشو” واثنان من حراسه لإصابات بالغة الخطورة، قالت السلطات أنهم فارقوا الحياة أثناء محاولة إجلائهم جواً. وقررت القيادة العسكرية لاحقاً تحويل مسار الطائرة الحاملة للجثامين إلى العاصمة مكسيكو سيتي درءاً لأي ردود أفعال غاضبة في معقل الكارتل بمدينة غوادالاخارا.
أشعل مقتل “إل مينتشو” موجة غضب عارمة بين صفوف مجندي الكارتل، لتندلع أعمال شغب وحرائق منسقة عبر عشرين ولاية مكسيكية. وثقت الأجهزة الرسمية مقتل اثنين وستين شخصاً حتى الآن، بينهم خمسة وعشرون عنصراً من الشرطة العسكرية التابعة للحرس الوطني، وأربعة وثلاثون من أفراد الكارتل، وسقوط مدنيين أبرياء علقوا وسط زخات الرصاص المتبادلة.
وطالت التداعيات الكارثية قطاع السياحة الحيوي؛ إذ احتجزت النيران وسحب الدخان آلاف السياح داخل فنادق مدينة بويرتو فالارتا. أوقفت شركات الطيران، مثل ألاسكا وديلتا ويونايتد، رحلاتها الجوية بالكامل، واضطرت سفن سياحية ضخمة لتغيير مسارات إبحارها هرباً من الفوضى، بينما أمضى أكثر من ألف زائر ليلتهم محتجزين داخل حافلات في حديقة حيوان غوادالاخارا تحت حراسة أمنية مشددة. وأضرم عناصر العصابة النيران في العشرات من فروع بنك “بينستار” الحكومي ومتاجر التجزئة الكبرى لقطع الطرق السريعة وإعاقة تقدم التعزيزات العسكرية. كما استغل ثلاثة وعشرون نزيلاً حالة الارتباك الأمني لتنفيذ عملية فرار جماعي من سجن محلي، ما وسع من دائرة التحديات الأمنية المفروضة على السلطات المركزية في مكسيكو سيتي.
ترتبط الأحداث الحالية بتراكمات تاريخية رسخت نفوذ الجريمة المنظمة في الاقتصاد والمجتمع المكسيكي. انشق كارتل “خاليسكو الجيل الجديد” عن كارتل سينالوا في عام 2009، ليصعد سريعاً تحت قيادة “إل مينتشو” ويتحول إلى القوة الإجرامية الأبرز في البلاد. واعتمد التنظيم استراتيجية قتالية دموية لتوسيع مناطق نفوذه، محكماً قبضته على مسارات تهريب الفنتانيل والميثامفيتامين المتجهة صوب الأسواق في الولايات المتحدة.
تجسد الكارتيلات المكسيكية النتيجة الحتمية لتناقضات الرأسمالية المتوحشة في دول الأطراف. إذ تأسست قوة هذه التنظيمات عبر استغلال إفقار الطبقة العاملة وتهميش الفلاحين في الأرياف نتيجة السياسات الاقتصادية النيوليبرالية المطبقة لعقود. وحولت الكارتيلات المهمشين إلى جيش هائل من العمالة الرخيصة والقابلة للاستبدال الفوري، ووظفتهم كجنود مشاة وحراس لمزارع المخدرات ومختبرات الفنتانيل السامة.
تمارس الكارتيلات نشاطها كشركات رأسمالية احتكارية مفرطة العنف؛ وتستخدم القوة المسلحة لضمان السيطرة التامة على وسائل الإنتاج وطرق التوزيع واحتكار الأسواق الاستهلاكية. ويعكس العنف المندلع بشكل دوري في الشوارع المكسيكية صراعاً دموياً مفتوحاً بين أجنحة البرجوازية الإجرامية للسيطرة على الحصص السوقية وطرق التجارة الرابحة الممتدة نحو أسواق أمريكا الشمالية.
يخلق السوق الاستهلاكي الضخم في الولايات المتحدة طلباً مستمراً يحرك آلة إنتاج المواد المخدرة في المكسيك ودول أمريكا اللاتينية. ويطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السلطات المكسيكية بتصعيد وتيرة الحرب الشاملة ضد الكارتيلات، ملوحاً بتدخلات عسكرية أمريكية أحادية الجانب وفرض ضرائب إضافية على الواردات المكسيكية. تدفع هذه الضغوط مكسيكو سيتي لتنفيذ مداهمات عسكرية وفق المعلومات الاستخباراتية الأمريكية وتوجيهاتها المباشرة.
تفسر هذه الديناميكية العلاقة بين الأجهزة الأمنية المكسيكية والمخابرات الأمريكية، المتحولة بمرور الوقت إلى علاقة تبعية قسرية تسلب المكسيك سيادتها الوطنية، حيث تؤدي الأجهزة المكسيكية دور الكومبرادور الأمني، الخاضع هيكلياً واستراتيجياً لإرادة وكالة الاستخبارات المركزية والقيادة الشمالية للجيش الأمريكي المتمركزة في قاعدة فورت هواشوكا بولاية أريزونا.
واشنطن من جهتها توظف مفهوم “الحرب على الناركو” كأداة أيديولوجية وعسكرية لفرض هيمنتها على جارها الجنوبي، وتبرير التدخل المستمر في الشؤون الداخلية عبر تسيير طائرات مسيرة سرية وتجنيد شبكات واسعة من المخبرين المحليين. تجرد هذه الهيمنة الاستخباراتية القوات المكسيكية من استقلاليتها، وتحولها إلى أداة تنفيذية تخدم المصالح الجيوسياسية والاقتصادية الأمريكية. وتبدو تفاصيل اغتيال “إل مينتشو” كتطبيق عملي لهذا الخضوع التام؛ إذ أتت الضربة استجابة لضغوط الإدارة الأمريكية، واعتمدت كلياً على التوجيه التقني والاستخباري الأمريكي لتعقب شبكات الاتصال الخاصة بزعيم الكارتل.
وليس سراً أن الكارتيلات تستخدم تقنيات غسيل الأموال القائمة على التجارة، وتتلاعب بفواتير الاستيراد والتصدير لدمج العائدات المحظورة قانونياً في الاقتصاد الرسمي المكسيكي والأمريكي على حد سواء، فيما تتغاضى البنوك العالمية الكبرى عن التدقيق الصارم في مصادر هذه الأموال، مفضلة مراكمة السيولة النقدية الهائلة وتوظيفها في أسواق المشتقات المالية والمضاربات العقارية السريعة العوائد. يندمج هذا الرأس المال الفاسد في الدورة الاقتصادية الشرعية، ويتحول بسلاسة إلى استثمارات عقارية ضخمة وسندات سيادية وأسهم تدر عوائد مضاعفة للطبقات المخملية في عواصم الغرب.
توفر تلك العواصم الملاذ الآمن والشرعي لغنائم هذه الحروب المتوحشة، تاركة لدول الأطراف، كالمكسيك، مهمة التعامل مع الجثث المتناثرة والدمار البنيوي الناهش لمؤسسات الدولة والمجتمع.
يؤكد خبراء أن إصدار الأمر بتنفيذ هذه العملية يمثل مخاطرة استراتيجية مدروسة استهدفت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم، المحسوبة على يسار الوسط، منها توجيه ضربة هيكلية قاصمة للجريمة المنظمة، سعياً لتهدئة الضغوط المتصاعدة من البيت الأبيض، وتأكيد قدرة أجهزتها الأمنية على فرض هيبة الدولة بقوة السلاح.
وتدرك الرئيسة خطورة الموقف الراهن وتأثيره المباشر على صورة المكسيك كوجهة استثمارية وسياحية عالمية حيث تستعد مدينة غوادالاخارا، قلب ولاية خاليسكو، لاستضافة مباريات حاسمة ضمن بطولة كأس العالم لكرة القدم ٢٠٢٦، إضافة إلى بطولة تصفيات مصغرة في شهر مارس المقبل. يفرض هذا الاستحقاق الرياضي والاقتصادي الدولي ضرورة ملحة لاستعادة الهدوء التام وطمأنة المجتمع الدولي والوفود الزائرة، إذ يمثل نجاح تنظيم الفعاليات الرياضية الكبرى فرصة ذهبية لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتنشيط الدورة الاقتصادية المحلية وخلق فرص عمل جديدة للشباب المكسيكي، فيما يهدد العنف المنفلت بتبديد هذه الآمال، ويضع الحكومة تحت ضغط مضاعف لفرض سيطرتها الأمنية الصارمة على كامل التراب الوطني.
تالياً، يتوقع خبراء في شؤون الكارتيلات اندلاع صراعات عنيفة على السلطة داخل أروقة كارتل خاليسكو حيث يتنافس قادة ميدانيون بارزون، أمثال “إل دوبلي آر” و”إل خاردينيرو”، على وراثة العرش بعد”إل مينتشو”. وينذر هذا التنافس المحموم بحرب فصائل دموية للسيطرة الميدانية على الأراضي وطرق التهريب الاستراتيجية ما سيضاعف من الأعباء الملقاة على عاتق الأجهزة الحكومية.
ربما تشكل نهاية مسيرة “إل مينتشو” انتصاراً تكتيكياً بارزاً للمؤسسة العسكرية المكسيكية لكن الأزمة البنيوية العميقة المنهكة للمكسيك ستستمر بالتفاقم في ظل الهيمنة الاستخباراتية الأمريكية الفجة، وقصور الحلول الأمنية المؤقتة عن معالجة جوهر المعضلة التاريخية. ويستدعي الوضع استراتيجية وطنية متكاملة تتجه نحو معالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية العميقة لظاهرة الجريمة المنظمة، وتوفير بدائل تنموية حقيقية للفئات المهمشة والمفقرة، وخصوصاً في المناطق الريفية النائية المشكلة للخزان البشري الرئيسي لتجنيد عناصر الكارتيلات، وهو أمر لا تمتلك السلطات المكسيكية الحالية لا القدرة ولا الإرادة ولا الصلاحية لتنفيذه.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2026-02-26