جزائر الفقراء.. أطفال الشوارع المنسيون
محمد علي القاسمي الحسني
قمت برحلة الأسبوع الماضي متجولا بين مدينة عين تيموشنت في الغرب الجزائري وصولا إلى قسنطينة شرقا مرورا بكل من البويرة و العاصمة الجزائر ، لازالت جل المدن كما أعرفها ، لم يتغير فيها شيء سوى بعض المشاريع السكنية التي انطلقت الحكومة في بناءها ، و وقوف النسوة في القرى النائية لانتظار الحافلات التي تأخذهن لمقرات العمل مع جلوس نسبة كبيرة من الشباب في المقاهي ضاحكين و ساخرين من الحياة ، العاصمة لازالت كما هي سعيدة و نشطة تتحرك بطريقة غير عادية حالها حال جل عواصم العالم التي تشكل مزيجا من الثقافات و الأعراق ، بعض المدن التي عانت ويلات الهمجية الاسلاموية ممثلة في الجماعات الإرهابية التي دمرت قرى كثيرة و أحرقت أخرى تماما ، هذه القرى تعود اليوم الى الحياة بحيوية و تفاعل مع الواقع الذي تعيشه اليوم ، غير أن المشهد الذي لا يزال يؤرقني و يزعجني ، هو مشهد الفتية اللذين يقفون على حافة الطرقات لبيع الخبز و المأكولات التقليدية الخفيفة كالمحاجب و غيرها ، ذكور و إناث يبيعون كل ما استطاعوا بيعه لضمان لقمة العيش ، كريم بائع الكسرة أخبرني بأنه يبيع الكسرة ليتمكن من جمع المال لأمه المطلقة و التي تعجز عن الحركة ، زينب بائعة عصير الليمون تبيعه لأن أسرتها المكونة من ثلاثة ذكور آخرين هربوا من القرية و تركوها رفقة أمها ، أما أبوها فهو مسجون منذ سنين ، أما لزهر و هو بائع العنب بإحدى ضواحي العاصمة فهو قد فقد أسرته في حادث مرور و لم يجد أي مأوى سوى مالك المزرعة الصغيرة الذي يجبره على القيام بالأعمال الشاقة و هو الذي لم يتجاوز الثمان سنوات ، هذه الحالات بالنسبة لأي كائن بملك في قلبه ذرة إنسانية تمثل مأساة ، فكيف لفتية لم يتجاوز عمر أكبرهم الخامسة عشر أن يقفوا تحت لفحات الشمس الحارقة في درجة حرارة تجاوزت الخمسين في بعض المناطق ، وسط سكوت المجتمع بل و استعباده في الكثير من الأحيان لهؤلاء .
المجتمع الجزائري مع الأسف مجتمع منافق ، يثور في وسائل التواصل الاجتماعي حين تخرج النسوة للركض أو يقع خطأ من قبل وزير أو قناة ، لكنه لا يثور انتصارا لأطفال الشوارع المنسيين ، أولئك الأطفال اللذين أتوا بطريقة غير شرعية فكان الشارع مأواهم ، نسبة أخرى لم يكن حظهم أفضل فكانت ظروف أسرتهم قاهرة أجبرتهم على العمل ، المؤسف ليست الظروف بل طريقة تعامل المجتمع مع هؤلاء إذ أنه يعتبرهم عبيدا يسهل التحكم بها و فرض الرأي عليها ، فكم من طفل تم تعنيفه و ضربه أمام القوم دون أن يتحرك أحد دفاعا عنه و كأنه فرد غير موجود أساسا ، هذا الواقع المرير المعاش هو واقع يعيشه الآلاف من أطفال الجزائر اللذين أدت بهم الظروف الى العيش في ضنك لكنهم لازالوا يقاومون صعوبة العيش بشجاعة و شرف في مقابل تمتع أبناء الأغنياء و المسئولين بطفولة آمنة يعيشون فيها الراحة و السعادة ، الفرق بين الاثنين أن الأول إنسان و الثاني لا يختلف عن البهيمة في الوظائف البيولوجية كالأكل و الشرب و النوم ، لكن الأول له من الخبرة و التجربة ما يمنحه معرفة وجودية و فلسفية مكتسبة من قسوة الحياة حاله حال جل الثوار و الأبطال لهذا فهم أمل الجزائر لو استغلوا كما ينبغي .
صحيح أن أطفال الشوارع ظاهرة موجودة في جل دول العالم ، لكن دول العالم المتقدم تتعامل معهم بطريقة أكثر إنسانية بالنظر لتحضر المجتمع و جودة الحكومة ، لكن الدول المتخلفة و من بينها الجزائر شعبا و حكومة تتعامل مع هذه الفئة بطريقة لا إنسانية قائمة على التهميش و الاستعباد و القمع فقط لأنهم دون لقب أو دون ولي غالبا فيكون الويل الذي يرونه في طفولتهم مأساة يندى لها الجبين و تصمت عنها الصحف و غرفتا البرلمان ، تلكم هي فئة أخرى في جزائر الفقراء التي لا يعرف عنها السواح شيئا و يصمت المجتمع عنها و يصنفها في فئة التابو .
( طالب جزائري )
2018-07-24