رسائل ويتكوف المتناقضة!
مهدى مصطفى
تاكر كارلسون، الصحافى والإعلامى الأمريكي، بدا كعادته متناقضًا بين النزعات المحافظة والاندفاعات الشعبوية، متحولًا من الليبرالية الجديدة إلى النقيض المتطرف.
ربما كان الزعيم السوفيتى فلاديمير لينين محقًا، حين أشار إلى أن المسافة بين اليسار الراديكالى واليمين الراديكالى مجرد شعرة، وكارلسون مثال حى على هذا التذبذب الأيديولوجى.
أما ستيف ويتكوف، المبعوث الرسمى لدونالد ترامب فى الشرق الأوسط وروسيا وأوكرانيا، فهو رجل أعمال ومقاول، قبل أن يكون مفاوضًا سياسيًا، وزميل ترامب فى لعبة الجولف، مما يجعله امتدادًا طبيعيًا لنهج «الدبلوماسية الشخصية» التى انتهجها الرئيس الأمريكى السابق.
ويتكوف، الذى يبدو أكثر تأثيرًا من وزير الخارجية مارك روبيو، يقود مساعى ترامب لتفكيك نظام ويستفاليا الذى شكل أساس النظام الدولى منذ 1648، وهو يعبر عن رؤية ترامب التى تسعى إلى إعادة تشكيل النظام العالمي، بعيدًا عن القواعد التقليدية، وتتجاهل كل الاتفاقيات السابقة ومفهوم الاستقرار الدولى.
الغموض والالتباس يظلان السمتين الأبرز فى هذه التحركات، فقد أرسل كارلسون وويتكوف رسائل مربكة، كما يفعل ترامب ذاته، مما أثار بلبلة فى المنطقة، وترك تساؤلات مفتوحة حول أهدافهما الحقيقية، هل يريدان إعادة رسم خرائط النفوذ أم يسعيان إلى إرباك الخصوم وخلق حالة من عدم الإدراك الإستراتيجى؟
لا شك أن العالم يشهد الآن مرحلة اهتزاز فى بنيته التقليدية، والقوى الغربية التى قادت النظام الدولى لعقود باتت مترددة فى التمسك بالقواعد التى وضعتها بنفسها، بينما الصين وروسيا تملآن الفراغ فى بعض الساحات.
فى هذا المشهد، تواجه الدول العربية خيارًا حاسمًا، إما أن تظل متلقية للضغوط والتدخلات أو أن تبادر لاستعادة زمام المبادرة.
فى هذا السياق: هل يمكن لمصر، كدولة حضارية قديمة مستمرة، والنواة الصلبة للإقليم، أن تستعيد فكرة “الانبثاق الذاتي”، أى أن تنهض من داخل نفسها، معتمدة على إرثها السياسى والحضارى، بعد أن تخلى العالم عن إرث القواعد الدبلوماسية والقانونية؟
نعم تستطيع.
لدى مصر تاريخ طويل من عبور الأزمات، وإدراك التحولات الخلاقة، ودائمًا ما كانت قادرة على إعادة تعريف موقعها فى النظام الدولى، ففى الحقبة الناصرية، كانت فاعلًا رئيسيًا فى تشكيل توازن القوى، وفى مرحلة السبعينيات والثمانينيات، والتسعينيات، أعادت توجيه سياساتها الخارجية وفقًا لمعطيات الحرب الباردة، وفعلت ذلك بعد فوضى الربيع، ووضعت نفسها فى المكانة التي تليق بها، ويتجلى ذلك فى موقفها الراسخ، والرافض لتصفية القضية الفلسطينية.
والآن مع تفكك القواعد القديمة، قد يكون الوقت مناسبًا لإعادة صياغة دورها، فى ظل التغيرات الدولية الحادة، نحو سياسة أكثر استقلالية وجرأة فى التعامل مع الملفات الإقليمية والدولية.
تصريحات ويتكوف، مثل غيره من مسئولى ترامب، لا تُقرأ بحسن نية، فهناك دائمًا من يسعى إلى استغلالها وتحريفها بما يخدم تصوراته الخاصة، وهنا يظهر الوجه الآخر للعبة الدولية، حيث تستخدم التصريحات كأدوات ضغط وتوجيه، وأحيانًا كفخاخ لخلق بلبلة داخلية فى الدول المستهدفة.
أما جماعة الربيع العربى فلا تتوقف عن توظيف مثل هذه التصريحات الغامضة، وتعمل على توظيفها لإثارة الانقسام، وإضعاف المجتمعات العربية من الداخل تحت غطاء شعارات براقة.
ما لا يدركه هؤلاء هو أن المنطقة ليست رقعة شطرنج، يمكن تحريك قطعها بسهولة، فهناك أوراق قوة كامنة لم تُستخدم بعد، وربما آن الأوان لإعادة ترتيبها على الطاولة.
المرحلة المقبلة تتطلب رؤية إستراتيجية عربية، لا تقتصر على ردود الفعل، بل تبادر لصياغة معادلات جديدة فى العلاقات الدولية.
بينما يعيد الغرب «الأوروبى» التفكير فى قواعد اللعبة، علينا أن نفكر بطرق أخرى تستند إلى الإمكانيات الذاتية والتحالفات الذكية، بدلًا من انتظار الخارج الساعى إلى مصالحه الذاتية على حساب الشرق الأوسط.
العالم يتغير، أو تغير بالفعل، ومن لا يغير موقعه فى هذه اللحظة الحرجة، قد يجد نفسه خارج الحسابات تمامًا.
2025-03-27
