رأفت العزام… الموت الثاني لدنقل…!
د.موفق محادين.
كنا عدة أصدقاء، نتقاسم أجرة ومصاريف بيت دمشقي قديم في حي الأزبكية: أرض ديار، تتوسطها نافورة عذبة، ودرج لولبي يحف به الياسمين ويفيض على الخشب العتيق والنوافذ العالية للغرف المعلقة.
وكان لكل منا مزاجه وذكرياته وأحلامه: د. قاسم الزعبي..الشطرنج والرياضيات والأغاني الخليجية…وحامد النوايسة ينام والسيجارة بين أصابعه ويصحو على العتابا والمنطلقات النظرية التي تحولت إلى كتاب مدرسي..و المهندس راكان الفايز، المشغول بالنافورة والقمصان المشجرة والمقالات الأربع في الكتيب الأحمر المشهور.
والصديق القاص، رأفت العزام، المسكون بفيروز أكثر من الرحباني، وبناظم حكمت ولوركا ونيرودا وبريخت، والدندنة الأولى، وماء الندامى حتى الصباح. والدكتور محمد نايش السرحان، الذي يشبه تشارلز برونسون، ويقرأ الدنيا من كتابات فرويد ويونغ وبتلهايم، ويحب عبده موسى من كل قلبه..وأنا
كان ذلك يوماً…
تفرقنا بسرعة، ولم ننجح في شيء، وتركنا أفكارنا في قبضة رعناء، ومضينا واحداً واحداً، بعيداً عن البيت العتيق..وآلة الطباعة الصغيرة ، كنت آخر المغادرين أو العائدين، لكن ما يهمني هنا، كيف قرر رأفت العزام، المغامرة بثلاث سنوات من عمره في سجن المحطة، وقبل أن يستكمل دراسته الجامعية، وكنت أجبن من أن أقدم على خطوة كهذه. وانتظرت طويلاً قبل أن أعود سالماً في ربيع عام 1990.
لقد قرر رأفت العودة إلى الأردن، ذات مساء كئيب، وكان يحمل معه منفضة حديدية على شكل تابوت (خرطها) بنفسه عند خاله الكردي، الذي يقيم على بعد أمتار من موقف النحاس في ركن الدين.
وضع المنفضة أمامي وأقسم عليها، كما لو أنها كتاب مقدس، وأخبرني أنه سيغادر دمشق صباح اليوم التالي، وروى قصة أغرب من حكايات لافونتين أو كليلة ودمنة. كان قد زار شقيقه الذي يسكن في بيت قريب من خاله في ركن الدين، وشاهد منظراً أو سيناريو لا يصدق، واتعظ به خلال دقائق، كان شقيقه قد اكتشف جحراً سرياً لفأر صغير، آثر الاستقلال عن رهط الفئران السود، التي تعيش على ضفاف ما تبقى من روافد بردى في تلك المنطقة. ربط الفأر من قدمه بخيط من القنب، وضربه بكفه على رأسه، فأسرع الفأر إلى الجحر، وكأنه يعلن احتجاجاً غريزياً على امتهان كرامته وحقه في لوح من الجبنة الطازجة.
وعندما شده وضربه ثانية، قرر الفأر، كما يبدو، الصمود في الجحر، مهما كلف الثمن، وعدم الاهتمام كثيراً بموازين القوى المرعب من حوله. كانت القدم الصغيرة قد انسخلت تماماً عن بقية جسمه، واستقرت كرأس داعية بين أصابع الإنسان، وكان ثمة أنين يشبه الأنفاس الأخيرة لشيخ همنغواي، وهو يعلو على وجه الماء.
أنا لا أعرف ماذا يكون الموت، ربما يكون أمراً طيباً، فأنا لا أخافه ولا أخشاه، ولكنني أفضل ما يحتمل أن يكون على ما أعرف أنه شر…
بهذا النص للفيلسوف الإغريقي سقراط كان الصديق الحبيب رأفت ألعزام يودعنا قبل رحيله بعدة أيام من شتاء 2007 ويتركه جرحاً غائراً على هواتفنا الخلوية للأبد…
بعضنا أعتبر تلك الرسالة القصيرة الفاجعة مزحة ثقيلة لا أكثر، فقد كان رأفت قوياً واثقاً ولا يريد أن يرحل عن الدنيا قبل أن ترن في وجدانه أجراس المقاتلين الاشتراكيين من جديد كما رنت متاريس الكومونة ومطارق أكتوبر في الساحة الحمراء… والحق أن أجراس الحياة اختلطت لديه دائماً بأجراس الموت…
وكانت ذاكرته الثقافية والمعرفية حية ورفيعة بصورة مدهشة، فاستعادته للرحابنة وفيروز وزكي ناصيف ودنقل ونير ودا وبريخت وغيرهم… كانت خضراء يانعة تحيلنا دائماً إلى المقاربات النقدية حول دور القارئ ليس في اكتشاف النصوص بل في إعادة إنتاجها.. والحق أن دنقل هو توأم روحه الذي لم يفارقه أبداً ولعله استعجل رحيله ليؤانسه حيث مضى.. وليس مصادفة أن يتذكر رأفت في كوبه الأبيض الأخير معنا، قصيدة دنقل التي كتبها من غرفة العمليات التي غادرها إلى المقبرة: بيضاء هي الأشياء.. رداء الطبيب والممرضات وملاءات السرير وأربطة الشاش والقطن وكوب اللبن.. وكل هذا البياض يذكرني بالكفن…
وفي ذلك اللقاء الذي جمعنا بناء على رغبة ملحة منه في منزل الصديق أحمد ديباجه كان رأفت يستبصر موتاً قريباً عبر قراءته المفضلة لانبعاثات الموت في قصائد أمل دنقل، وكان ذلك في شتاء عالم دنقل الأثير: قلت للورق المتساقط من ذكريات الشجر، أنني أترك مثلك بيتي وليس معي غير حزني المقيم وجواز السفر… الطيور مشردة في السموات تحتوي الأرض جثمانها في السقوط الأخير.. وقلبي الذي نسجته الجروح يرقد الآن حزيناً في كفن…
ولم تكن الطيور الشريدة وأشجار كانون وهجيع القلب الجريح عند رأفت ودنقل أوراقاً تذروها الريح، فمتى القلب في الخفقان أطمأن…
تذكرت اول رواية اهداها لي ذات مرة (الثلج يأتي من النافذة )لـ حنا مينه وعرفت لماذا تسلل رأفت تلك الليلة من شتاء 2007 الى ثلج اخر، وغادرنا دون ان يخبر احدا لماذا ترك النافذة مفتوحة: لصوت فيروز، ام لنجمته الحمراء تضيء ما تبقى من احلام الفقراء، ام لغيمة بيضاء على نوافذنا لمن يشاء مثله.
أيها الصديق الحبيب، الشهيد، نعود كما تحب وتريد ونقطف من كتاب صاحبك في الصعيد، باقة تتنفس مثلك بين إغماء أو أفاقة وعلى صدرها حملت أسم قاتلها وقاتلك في بطاقة.
2021-03-01