ديناميكيات جديدة فى الشرق الأوسط!
د. محمد السعيد إدريس
توقفت الحرب بين كل من أمريكا وإسرائيل ضد إيران، لكنها لم تنته بعد، الأمر المؤكد، وكما ورد على لسان وزير الحرب الإسرائيلى يسرائيل كاتس الذى أعلن (الخميس الماضى) أن «إسرائيل ستضرب إيران مجدداً وبقوة إذا تعرضت لتهديد منها»، الموقف نفسه يتكرر لدى الجانب الإيرانى، فالبرلمان الإيرانى اتخذ قراراً بتعليق العلاقة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فى إشارة إلى إمكان الانسحاب الكامل من معاهدة حظر انتشار الأسلحة الذرية ومن ثم إطلاق آفاق البرنامج النووى إلى منتهاه، دون اكتراث بأى تهديدات، حذر رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان من أى استئناف للمفاوضات مع الولايات المتحدة، أو التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
تجدد الحرب، أو استئنافها يمكن أن يكون إجابة للسؤال المهم الذى يشغل الكثيرين الآن، وهو سؤال: وماذا بعد أن توقفت الحرب؟ إلى أين تتجه المنطقة؟ لكن الواضح أن هناك «كوابح» ستفرض نفسها حتماً وستحكم أى مواجهة فى المستقبل منها الشرط الذى وضعه يسرائيل كاتس وزير الحرب الإسرائيلى المشار إليه بخصوص أن إسرائيل لن تضرب إيران مجدداً إلا إذا تعرضت إلى عدوان إيرانى، وهذا تطور جديد شديد الأهمية بخصوص وجود إدراك إسرائيلى جديد، ولدته الحرب الأخيرة وعنف الضربات الإيرانية، مفاده أن «إسرائيل لن تبادر بحرب ضد إيران»، لكن التطور الأهم يتعلق بإدراكات القوى الإقليمية الدولية لتوازن القوى الإقليمى الجديد الذى ولدته الحرب الأخيرة التى فجرها العدوان الأمريكى – الإسرائيلى على إيران، ولما يمكن أن تولده أيضاً من مشروعات لإعادة هندسة النظام الإقليمى على ضوء الديناميكيات الجديدة التى بدأت تفرض نفسها على المنطقة بعد تلك الحرب. لدينا مدخل مهم للتفكير فى إجابات عن فحوى هذه «الديناميكيات» الجديدة يتمثل فى الأفكار المهمة فى الدراسة التى نشرتها مجلة «فورين أفيرز» (الشئون الخارجية) التى تصدر عن المجلس الأمريكى للسياسة الخارجية شديد الاقتراب بدوائر صنع القرار فى الولايات المتحدة (عدد يوليو/ أغسطس 2025) كتبها كل من الدكتورة «أونا هاثاواى» أستاذة القانون فى كلية الحقوق بجامعة ييل، وهى باحثة غير مقيمة فى «مؤسسة كارنيجي» للسلام الدولى الأمريكية، والرئيس المنتخب للجمعية الأمريكية للقانون الدولى. بالمشاركة مع زميلها الدكتور «سكوت شابيرو» أستاذ القانون وأستاذ الفلسفة فى جامعة ييل، وهما مؤلفا كتاب «الأمميون: كيف أعادت خطة جذرية لحظر الحرب تشكيل العالم». هذه الدراسة جاءت تحت عنوان: «النظام العالمى الأمريكى الجديد: عودة الروح للحرب ولمبدأ (القوة تصنع الحق»)، وتمحورت حول خلاصتين:
الأولى: أن الولايات المتحدة (وليس فقط إدارة ترامب) باشرت عملياً تدمير النظام العالمى الذى أقامته بعد الحرب العالمية الثانية، والذى استند (ولو اسمياً) إلى القانون الدولى، وميثاق الأمم المتحدة وما تضمنه هذا الميثاق من أهداف ومبادئ سامية، ترفض الحرب كوسيلة لحل النزاعات، وتعلى من حق الدول فى الدفاع عن نفسها وسيادتها ومواردها، وتمتعها بحق تقرير المصير واستقلالية قرارها الوطني. فالولايات المتحدة تنتكس الآن بهذه الالتزامات وتعود مجدداً إلى «نظام ما قبل الحرب العالمية الأولى» المستند إلى تشريع مبدأ الحرب، والاستيلاء على الأرض والدول بالقوة، إضافة إلى إحياء المبدأ الشهير الذى نبذه العالم بثوراته التحررية التى أعقبت تأسيس الأمم المتحدة كرمز لنظام القانون وعدالته وسيادة الدول، وهو مبدأ «القوة تصنع الحق». الثانية: أن هذا التحول الأمريكى سيدفع الدول الكبرى إلى تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ لها، واحتلال ما تشاء من الدول فى مناطق نفوذها (أمريكا تبتلع كندا والمكسيك وجرينلاند وربما كل القارة الأمريكية) مع طموحات التمدد الجغرافى فى الشرق الأوسط (على غرار ريفييرا الشرق الأوسط الأمريكية المأمولة فى قطاع غزة)، وروسيا تبتلع أوكرانيا وما يتيسر لها من دول البلطيق وشرق أوروبا، والصين تبتلع تايوان وما يتيسر لها فى شرق آسيا/ الباسيفيك.
الخلاصة التى توصلت إليها تلك الدراسة هى دعوة الدول الـ141 التى صوتت دعماً لموقف الولايات المتحدة فى قرار صدر عن الجمعية العامة يدين محاولة روسيا ضم الأراضى الأوكرانية، للتوحد هذه المرة ضد الولايات المتحدة والقوى العالمية الكبرى وتأسيس تحالف عالمى يكون هدفه التصدى للولايات المتحدة ومنعها من إعادة فرض «الحرب» كقانون أساسى (وقانوني) لنظام عالمى جديد تريد أن تفرضه.
هذه «التوصية» أو «الخلاصة» المهمة تجد ما يدعمها فى الشرق الأوسط ضمن النتائج والديناميكيات التى ولدتها الحرب الأخيرة على إيران ومن أبرزها: ــ لم يعد ممكنا الفصل بين ما هو مشروع أمريكى وما هو مشروع إسرائيلى فى الشرق الأوسط، وأن التوجه الأمريكى – الإسرائيلى للسيطرة الكاملة على الشرق الأوسط وفرض هندسة جديدة لنظامه الإقليمى تخدم المصالح العليا الأمريكية والإسرائيلية لن يتراجع بل هو فى مرحلة صعود، يؤكد هذا «هوس» كل من الرئيس الأمريكى ترامب ونيتانياهو رئيس حكومة كيان الاحتلال بقانون «القوة تصنع الحق على حساب القانون الدولى وحقوق وحريات الشعوب فى العدالة والسلام».
ــ أن إسرائيل، رغم الدرس القاسى الذى ولدته الحرب على إيران، وفشل إسرائيل فى الاعتماد على قوتها الذاتية لهزيمة إيران سيزيد من اندفاع إسرائيل لفرض مشروعها المرتكز على قاعدة «منع وجود جيوش قوية فى الدول المحيطة بها: خاصة إيران وتركيا ومصر، على الترتيب اعتماداً على تحالفها الوثيق مع الولايات المتحدة .
ــ أن إيران ومصر وتركيا ستجد نفسها مدفوعة حتماً للتفكير فى كيفية التصدى لهذا المشروع الإسرائيلى الأمريكى، فى وقت أضحى فيه التوفيق مستحيلاً بين أن تقبل الانسحاق أو أن تسعى للتصدى لهذا الخيار المستحيل، وهنا يكون السؤال كيف؟.. وهل آن الأوان أمام هذه الدول الكبرى الثلاث ومعها دول عربية أخرى لمعالجة الخلل فى توازن القوى فى الإقليم الذى أضحى معرضاً للاختلال الشديد فى ظل دخول الولايات المتحدة كطرف مدفوع للهيمنة والسيطرة متحالفاً مع إسرائيل؟ هذا هو السؤال الذى تستوجب الإجابة عنه الوعى بخصائص التحولات الديناميكية الإقليمية الجديدة، وإجابته هى التى ستحدد معالم المستقبل الإقليمى.
2025-07-15
