دور الدولة في البلدان النامية: العراق نموذجاً في دعم القطاع الخاص!

بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
مقدمة:
في خضم التحولات الاقتصادية العالمية، أصبحت العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص في البلدان النامية محورية لتحقيق التنمية المستدامة. تلعب الدولة دورًا معقدًا ومتعدد الأبعاد: فهي من جهة مسؤولة عن تهيئة بيئة الاستثمار، ومن جهة أخرى، هي فاعل اقتصادي كبير يسيطر في كثير من الأحيان على الموارد والقرارات. وفي هذا السياق، يُعد العراق نموذجًا حيًّا لما يمكن أن تكون عليه هذه العلاقة في بلد غني بالموارد، ولكنه مثقل بالتحديات البنيوية والسياسية.
أولًا: الإطار العام لدور الدولة في دعم القطاع الخاص في البلدان النامية
في معظم البلدان النامية، ورثت الدولة دورًا مهيمنًا في الاقتصاد نتيجة لعقود من الاقتصاد الموجّه، أو بسبب الموروث الاستعماري. غير أن هذا الدور الهيمني غالبًا ما أدى إلى تهميش القطاع الخاص، أو تحويله إلى تابع يعاني من الاعتماد على العقود الحكومية والامتيازات المؤقتة.
ومع موجات “التحول نحو اقتصاد السوق” التي بدأت في الثمانينيات والتسعينيات، بدأت الدول في تحرير الأسواق، ولكن دون بناء مؤسسات ضامنة ومهيّئة، ما أدى إلى نشوء “اقتصادات هجينة” تفتقر إلى الشفافية والاستقرار.
ثانيًا: العراق… تحديات الانتقال في بيئة معقدة
منذ سقوط النظام السابق عام 2003، دخل العراق مرحلة انتقال اقتصادي معقد، حاول فيها التحول من الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق، لكن هذا الانتقال لم يكن مؤسسيًا ولا متدرجًا. فقد ورث العراق:
• دولة ريعية تعتمد على النفط بنسبة تزيد عن 90% من الإيرادات العامة.
• ضعف هائل في المؤسسات، وغياب الثقة بين المواطن والدولة.
• بنية تحتية مدمرة، وقطاع مصرفي متخلف.
• تداخل بين السلطة الاقتصادية والسلطة السياسية، حيث تحكم الولاءات الحزبية عملية التعاقد والتمويل.
وقد أدى ذلك إلى إعاقة نمو القطاع الخاص وتحويله إلى تابع للإنفاق العام وليس شريكًا فيه.
ثالثًا: دروس مقارنة – تجارب ناجحة في دعم القطاع الخاص
1. تجربة ماليزيا: الدولة كشريك تنموي
في سبعينيات القرن الماضي، كانت ماليزيا تعاني من ضعف اقتصادي واعتماد كبير على تصدير المواد الخام. لكن الدولة اعتمدت استراتيجية شراكة ذكية مع القطاع الخاص، تضمنت:
• إنشاء مناطق صناعية خاصة بامتيازات ضريبية.
• تطوير التعليم الفني والمهني.
• تفعيل سياسات إحلال الواردات ثم التصدير.
• الشراكة مع القطاع الخاص في البنية التحتية (PPP).
واليوم، يعد القطاع الخاص الماليزي أحد المحركات الرئيسة للاقتصاد، خاصة في الصناعة والخدمات والتكنولوجيا.
2. تجربة رواندا: بناء بيئة أعمال جذابة
رغم محدودية الموارد، اعتمدت رواندا استراتيجية إصلاح إداري جذري بعد الإبادة الجماعية عام 1994. شملت الإصلاحات:
• تقليص زمن تسجيل الشركات إلى يومين فقط.
• سن قوانين استثمار محفّزة.
• مكافحة الفساد بقوة.
• دعم المشاريع الصغيرة من خلال التمويل المصغر.
أصبحت رواندا واحدة من أفضل 10 دول في إفريقيا من حيث بيئة ممارسة الأعمال، بحسب تقارير البنك الدولي.
3. تجربة مصر (ما بعد 2016): إصلاحات مرتبطة بالمؤسسات الدولية
بعد الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، شرعت مصر في سلسلة من الإصلاحات:
• تحرير سعر الصرف.
• إصلاح منظومة الدعم تدريجيًا.
• سن قوانين جديدة للاستثمار والمناطق الحرة.
• إنشاء صناديق لدعم المشروعات الصغيرة.
ورغم التحديات الاجتماعية المصاحبة، بدأت تظهر بوادر نمو في قطاعات التصنيع والخدمات، مع دور متزايد للقطاع الخاص.
رابعًا: التحديات الأساسية أمام القطاع الخاص في العراق
1. غياب الرؤية الاقتصادية الشاملة: لا توجد استراتيجية واضحة متفق عليها بين القوى السياسية والاقتصادية.
2. ضعف البيئة التشريعية: قوانين قديمة، وغياب آليات تنفيذ فعالة.
3. الفساد والمحسوبية: القطاع الخاص يعاني من تمييز سياسي ومناطقي في العقود والمناقصات.
4. التمويل: القطاع المصرفي لا يلعب دورًا تنمويًا فعليًا، ولا توجد أدوات تمويل متطورة (رأس مال مجازف، سندات تنموية، إلخ).
5. ضعف التعليم والتدريب: لا توجد مواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق.
خامسًا: خارطة طريق لدور الدولة في دعم القطاع الخاص العراقي
• أولًا: التحول من “رب عمل” إلى “ممكن ومحفز”
الدولة يجب أن تتوقف عن كونها المشغّل الأكبر، وتتحول إلى منظم ذكي ومراقب عادل.
• ثانيًا: إصلاح المنظومة القانونية والقضائية
من خلال تحديث قوانين الشركات، الاستثمار، والمنافسة، وتفعيل القضاء التجاري.
• ثالثًا: بناء شراكات ذكية (PPP)
يجب إشراك القطاع الخاص في مشاريع البنية التحتية، التعليم، والطاقة، ضمن عقود شفافة.
• رابعًا: تطوير النظام المصرفي
عبر تحديث أنظمة التمويل، وتشجيع أدوات استثمارية جديدة، مثل صناديق استثمارية تنموية.
• خامسًا: التمييز الإيجابي للمشروعات الصغيرة
من خلال تخصيص حصص من العقود الحكومية، ومنح إعفاءات ضريبية، وتوفير التدريب والدعم الفني.
• سادسًا: التعلم من تجارب الدول الأخرى
العراق لا يحتاج إلى إعادة اختراع العجلة، بل يمكن أن يتبنى ممارسات مجربة وناجحة، مع مراعاة خصوصياته.
خاتمة
ليس هناك نموذج واحد يصلح للجميع، ولكن الثابت أن لا تنمية مستدامة دون قطاع خاص قوي ومبادر. العراق، إذا أراد التحرر من قيد الاقتصاد الريعي، لا بد أن يعيد تعريف دور الدولة بوصفها حاضنة للفرص، لا مستحوذة على الثروة. التجارب العالمية تؤكد أن بناء بيئة أعمال مستقرة، عادلة، وشفافة، هو الأساس لتحويل الطاقة المجتمعية إلى نمو اقتصادي حقيقي.
2025-05-12