#جيوسياسية/ درس في التفكير النقدي: المثقف الأفريقي بين الخضوع والمُقاومة، أو مع الخيار الثالث: الإلهاء!
إدريس آيات*
– مشكلتي مع البانافريقانية الكلاسيكية والكيميتية!
“الليلة الحالكة التي غُمرنا فيها، علينا أن ننتفض منها ونخرج. فاليوم الجديد الذي بدأ يشرق يجب أن يجدنا ثابتين، واعين وعازمين. يجب أن نتخلى عن أحلامنا وصداقاتنا التي سبقت الحياة. لا نضيع الوقت في التراتيل العقيمة أو المحاكاة المقيتة. لنهجر هذه أوروبا التي لا تنفك تتحدث عن الإنسان بينما تذبحه في كل مكان تلتقي به، في زوايا شوارعها، وفي كل زاوية من العالم.” – فرانز فانون
هذه الكلمات القوية تلخص بشكل جلي جوهر الصراع الفكري الذي طالما ابتُليت به أفريقيا، ذلك الصراع الذي يجعل بعض “مثقفيها” يتقمصون دور المدافعين عن الاستعمار، حتى بعد عقود من التحرر السياسي. هذه الظاهرة ليست جديدة، وقد تناولها بالتفصيل كتاب
“القومية، الاستعمار، والأدب” الذي أعده كلٌّ من تيري إيغلتون، فريدريك جيمسون، وإدوارد سعيد.
وهو الكتاب الذي أقرأه الآن، ماتع جدًا ومثير.
يُسلط الكتاب الضوء على التجربة الأيرلندية تحت الهيمنة البريطانية، وعلى الدور الذي لعبه المثقفون هناك، بين مقاوم للمستعمر وخادم لمصالحه. لكنه، في الواقع، يبدو وكأنه يتحدث عن أفريقيا بكل تفاصيلها، فالمبدأ واحد، والأساليب لم تتغير، فقط الأسماء هي التي اختلفت.
▪️المثقف بين الخضوع والمقاومة والإلهاء
يؤكد المؤلفون أن المثقف في أي بلد مستعمَر لا يملك سوى خيارين: الخضوع أو المقاومة. لكن الإمبريالية، بحنكتها في تفكيك المجتمعات التي تهيمن عليها، أوجدت خيارًا ثالثًا: الإلهاء. هذا الإلهاء يُترجم إلى دفع المثقفين للحديث عن مواضيع لا علاقة لها بالصراع الحقيقي، لإيهام الشعوب بأنها تخوض معركة فكرية، بينما في الحقيقة يتم توجيهها بعيدًا عن جوهر الاستعمار الجديد.
في الصفحة 44، يوضح الكتاب كيف أنتجت الإمبريالية أدبًا خاصًا بها، يحمل بصمتها الفكرية، وكيف أن بنية الاستعمار تترك أثرها في الأشكال الفنية واللغوية.
ثم في الصفحة 45، نقرأ ما يلي:
“المثقفون المشتتون بالكاد يذكرون الإمبريالية أو الاستعمار كموضوع رئيسي. كتبهم، للوهلة الأولى، تبدو خالية من أي مضمون سياسي؛ إنها تقدم للدارسين جوانب تبدو محض أسلوبية أو لغوية.”
هذا هو الجوهر الذي تقوم عليه دعاية الاستعمار الثقافي: تشتيت العقول بأدب فارغ من أي مضمون نضالي، أدب لا يتجاوز كونه ممارسة لغوية، دون أن يلامس قضايا التحرر الفعلية.
▪️المثقف الإفريقي الموالي للاستعمار: نموذج حي
هؤلاء المثقفون، كما يوضح الكتاب، ليسوا إلا أدوات تُستخدم لضمان استدامة الهيمنة الاستعمارية. هم امتداد لسياسات الهيمنة الثقافية التي تهدف إلى جعل المستعمَر أكثر ولاءً للمستعمر من المستعمر نفسه. إنهم يروجون لفكرة أن التقدم لا يأتي إلا عبر التبعية للغرب، وهم نفسهم الذين يهاجمون كل محاولات الانعتاق من هذه التبعية.
لنأخذ مثالًا من واقعنا: علماء المصريات الأفارقة، الذين لا يتحدثون إلا عن رمسيس الثاني والإنجازات الفرعونية القديمة ( ثم يفنون أوقاتهم ليثبتوا أنّ الحضارة المصرية القديمة كانت حضارة سوداء)، بينما يغضّون الطرف عن الاستعمار الحديث، عن الجرائم التي ارتكبتها القوى الأوروبية في القارة، وكأن الماضي البعيد وحده هو الذي يستحق الاحتفاء!
ثم هناك فئة أخرى، وهم أصحاب الأدب الزنجي-الإفريقي، وهو وهمٌ استعماري صنعته فرنسا وإنجلترا ليكون مخدرًا فكريًا لشباب القارة، بحيث يُبقيهم في حالة انبهار ذاتي بتاريخهم ولغتهم، دون أن يطرحوا أسئلة حقيقية حول حاضرهم ومستقبلهم، ومنهم من يقع إلهاءه على مدح جمال لغات الاستعمار باعتبارها غنيمة بعد طرد المستعمر.
أما هؤلاء الذين يمدحون “جمال اللغة الفرنسية”، فهم لا يدركون أن لغاتنا الإفريقية، عندما يتم تنظيمها وفق قواعد إيقاعية وموسيقية، تمتلك جمالية تفوق ما تقدمه الفرنسية. لكن المستعمر لم يكن يريد لنا أن نكتشف ذلك، بل أرادنا أن نعيش وهمَ عظمة اللغة الغازية.
ومن بين الخدع الكبرى التي ابتكرها المستعمر عبر المثقفين المزيفين للإلهاء، تأتي فكرة “الوحدوية الإفريقية”، أو ما يُعرف بالـPan-Africanism، على شكله الكلاسيكيالتي في جوهرها، ليست سوى ستار يخفي تحته مشروعًا آخر من مشاريع الإمبريالية.
فلنتساءل: ما الفائدة من مُحاولة حثيثة لتوحيد 54 دولة مستعمَرة، بينما نعجز عن تحرير واحدة منها؟ كيف نتحدث عن “حب إفريقيا” في الوقت الذي لا يستطيع فيه الأفارقة استعادة سيادتهم من القوى الأجنبية؟ هل نعتقد أن الاستعمار لم يكن مدركًا لهذا الطرح منذ البداية؟
لنأخذ مثالًا عمليًا: الدول الإفريقية التي تستخدم عملة الفرنك الإفريقي (CFA). هناك من يتظاهر ضد هذا النظام النقدي المفروض من فرنسا، لكن هل يدركون أن استقلال الكونغو الديمقراطية أو مدغشقر – اللتين لا تستخدمانه – سيكون أسهل بكثير من تحرير 14 دولة ما زالت تُفرض عليها هذه العملة الاستعمارية؟
لو ظنّ أحدكم أن هذه الدول ستكون أقوى لمجرد أنها موحدة تحت هذا النظام النقدي، فهو واهم. الأمر أشبه بأربعة عشر صرصارًا يحاولون مواجهة ديك واحد!
هل يجب علينا انتظار أن تستفيق دول مثل ساحل العاج، كينيا، أو نيجيريا من وهم الارتباط بالنظام الغربي الإمبريالي، حتى تبدأ إفريقيا مشروعًا نهضويًا مستقلًا على غرار التجربة الصينية؟ وهل يتعين على اتحاد المغرب الكبير أن يظل معلقًا حتى تقتنع دول مثل المغرب أن التطبيع ليس مجرد خيار سياسي، بل تهديد للأمن الإقليمي والقومي الإفريقي؟
في رأيي، إذا تحول الاتحاد الإفريقي إلى مجرد أداة في يد القوى الغربية، يستحسن الانسحاب منه وخلق كيان موازٍ يضم دولًا جادة في التحرر من الاستعمار الحديث. وإذا أصبحت الإيكواس مجرد يدٍ تُحركها باريس لفرض سياساتها على الدول المتمردة على الهيمنة، فلابد من الخروج منها فورًا، والبحث عن بدائل إقليمية حتى لو بدأت بأربع أو خمس دول مستعدة لاتخاذ قراراتها السيادية، بدلًا من الاستمرار في منظومة لا تخدم إلا أجندات القوى الاستعمارية القديمة.
أما ترديد خطاب الإصلاح من الداخل، كما يُلهينا به مثقفو الإلهاء؛ بينما نعترف جميعًا بأن هذه المنظمات ليست سوى أدوات للإمبريالية، فهو مثالٌ حيّ على الإلهاء، وخداع الذات بمشاريع لا تمتلك الإرادة الحقيقية للتحرر.
ماذا أقترح؟ الاستقلال الاقتصادي أولًا!
نحن اليوم نعيش وهم الوحدة الإفريقية، في حين أن مؤسساتنا القارية، مثل الاتحاد الإفريقي، لا تزال مُمولة من الاتحاد الأوروبي! كيف نتحدث عن بناء “الولايات المتحدة الإفريقية” بينما نستجدي تمويلًا من القوى الاستعمارية نفسها؟ بأموال من سيتم إنشاء هذه الوحدة؟ ومن هم المثقفون الذين سيقودونها، مثقفّوا، الإلهاء؟
هل هم هؤلاء “المتابعون” الذين نراهم يتسكعون في المؤتمرات الدولية؟ الذين لا يجرؤون على مواجهة الاستعمار الفرنسي والبريطاني، لكنهم يُسارعون إلى انتقاد الصين وروسيا، فقط ليظهروا بمظهر “المثقف المتوازن” أمام الغرب؟
لا، الكتاب لم يكن يتحدث عن إفريقيا، لكنه وضع يده على الجرح تمامًا. كان يتحدث عن المثقفين الأيرلنديين الذين تظاهروا بأنهم مقاومون للاستعمار البريطاني، بينما كانوا في الحقيقة مجرد أدوات لتثبيت أقدام المستعمر.
لكن التشابه مع إفريقيا مذهل!
الختام: مالدرس الذي يجب أن يُفهم أفريقيًا؟
في نهاية المطاف، المشكلة ليست فقط في الاستعمار الغربي، بل في نخبتنا الإفريقية التي تتواطأ معه، عن دراية أو عن سذاجة؛ دون أن يشعروا حتى بذلك.
المعركة ليست مع أوروبا وحدها، بل مع هؤلاء الذين يدّعون تمثيلنا وهم في الواقع مجرد وسطاء للجلاد.
محاولة بناء البان-أفريقية استنادًا إلى الأطر الكلاسيكية، عبر الاتحاد الإفريقي الذي يعتمد على تمويل خارجي يغطي نصف ميزانيته، ليس سوى وهمٍ مستمر. على الدول الإفريقية الجادة أن تشرع في إنشاء كيانٍ موازٍ، ولو انطلق من عشرين دولة فقط، تسعى ببطء لكن بثبات لوضع أسسٍ متينة، حتى لو استغرق الأمر نصف قرن، فمن الأفضل بناء اتحاد يحظى بالهيبة والاحترام، بدلاً من الانشغال بمحاولات إصلاح اتحاد مترهل، لا يملك قراره، ويُدار من خلف الكواليس.
عندما بدأ ماو تسي تونغ الثورة الحقيقية في الصين، سخر منه العالم، ومرت البلاد بمجاعة وكوارث اقتصادية. لكن بعد سبعين عامًا، أصبحت الصين الكابوس الذي يؤرق الولايات المتحدة. وبالمثل، انطلق الاتحاد الأوروبي بمجموعة دول صغيرة آمنت بالمشروع، ومع الزمن تحول إلى كتلة تسعى الدول للانضمام إليها بشروط صارمة، كما هو الحال مع تركيا وأوكرانيا، اللتين تنتظران منذ عقود. القوة لا تُوهب، بل تُنتزع ببناء التكتلات على أسسٍ متينة لا تخضع لإملاءات الخارج.
أما هؤلاء الذين جعلوا مشروعهم الثقافي محصورًا في تمجيد الماضي وإعادة إحياء أمجاد الحضارة الفرعونية، سواء بمحاولة تأصيلها كسوداء خالصة، أو لدى بعض “الكيمتيين” في مصر الذين لا يجدون في نهضتهم إلا الإساءة للعروبة والأديان السماوية، فهم بين أمرين لا ثالث لهما: إما أنهم أدوات للإلهاء، يُصرف بهم النظر عن أزمات القارة الحقيقية، وإما أنهم نموذجٌ آخر لكسل المثقفين الذين يهربون من مواجهة الواقع، خوفًا من الاعتراف بمرارة المشهد الإفريقي الراهن.
الحلّ: بناء إفريقيا قوية اقتصاديًا يجب أن يكون الأولوية القصوى، فبدون اقتصاد مستقل، ستظل القارة رهينةً للخارج، مهما تغنت بأمجادها الماضية. انظروا إلى اليونان، مهد الديمقراطية والحضارة الإغريقية، هل نفعتها عظمتها التاريخية حين وقعت في أزمة الديون؟ لم يُسعفها أنها كانت منارة الفلسفة في العالم القديم، بل وجدت نفسها تركع أمام ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، تستجدي إعادة جدولة ديونها، ولا تزال تعاني من تداعيات ذلك حتى اليوم.
هذا تمامًا ما يفعله بعض “الكيمتيين” الذين يستهلكون أوقاتهم في إثبات عظمة الحضارة الفرعونية، وكأن ذلك سيغيّر واقع مصر أو إفريقيا اليوم. حتى لو كانت الحضارة الفرعونية أعظم حضارة في التاريخ، فماذا يعني ذلك لطفل إفريقي يعيش في العشوائيات، أو لمزارع مصري لا يجد ما يسد رمقه؟ التاريخ ليس بديلًا عن التنمية، والماضي لا يُطعم الجياع، ولا يبني المصانع، ولا يحقق الاستقلال الاقتصادي.
على أي حال، سأواصل قراءتي في دهليزي، فكتاباتي دائماً مزعجة، لكن الغرض من ورائها إحياء التفكير النقدي لديكم يا معشر القرّاء.
نصيحتي البسيطة: اقرؤوا، اقرؤوا كل شيء، اقرؤوا بنهم!
2025-02-06