خيار الأردن بعد عام على بدء المعركة!
إلغاء قرار ضم الضفة الغربية عام 1950، والاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران
جمال الطاهات
الحدث التاريخي -والحروب بالذات- منجم لاستخلاص العبر والدروس، وتطوير الخيارات الممكنة والمفيدة. والسؤال المركزي المطروح على الحركة الوطنية الديمقراطية الأردنية هو البحث عن الخيارات الممكنة والمفيدة لدعم المقاومة وحماية الأردن. وهذا يتطلب التحرر من فكرة استمناء التاريخ، والدخول بشكل مباشر لفهم الحدث والعوامل الحاسمة التي تطوره.
من يمتدح البدايات التي مضت ومن يهجوها سيان. مدائح 7 أكتوبر واهاجيها يستدعيان بعضهما في حركة عقيمة لا متعة فيها ولا اخصاب. فكلاهما تعبير عن حالة افلاس، واستسلام للحظة مضت وانقضت. وأي تساؤل عن جدوى الحرب وقيمتها، أياً كان الجواب، هو خيانة للدم، واستقالة من الحياة وخروج من سياقها. التفكير بجدوى الحرب -بعد اندلاعها- لا يقل عقماً عن الحديث عن عدم جدواها. المطلوب -بدلاً من ذلك الحوار العقيم- العمل على اشتقاق خيارات جديدة (ممكنة ومفيدة) في سياق الصراع.
الذين نظموا حلقات التغني بالمقاومة ومديحها لم يقدموا لها ما يزيدها قوة، كما أن الذين انتظموا بحلقات أفيخاي أدرعي وشككوا بالمقاومة لم ولن يضعفوها. والدرس الأول من هذه الحرب، هو ضرورة التوقف عن هجاء الماضي أو مديحه، والسعي بدلاً من ذلك لاشتقاق الخيارات الفعالة. تطوير الخيار الممكن والمفيد، وتنفيذه هو الدليل على الحياة. فالحروب والصراعات ليست منتجات نشتريها من رفوف سوبرماركت التاريخ (ونتباهى باقتنائها). الصراعات من ضرورات الحياة تفرض نفسها علينا، ولا معنى للحديث عنها بمنطق التغني بها او هجاءها، كما أنه لا معنى لمحاولة الهروب منها.
السؤال الضروري هو الذي يقودنا للبحث العقلاني لتوظيف الحرب لتغيير موازين القوى لصالحنا في سياق الصراع. وهذا يتطلب فهم مصادر قوة العدو وحرمانه منها، والبحث عما يمكن له أن يقوينا. فالصراعات تبدأ بمعركة، ولكنها لا تنتهي بنهاية تلك المعركة. كما أن الصراعات والحروب تراكمية ولا تحسم بالضربة القاضية وبمعركة واحدة. فالتحدي ليس البحث في (كيف نكسب المعركة الراهنة؟) فهناك من هو معني بهذا التحدي، وهو يؤدي ضمن حدود الممكن والمفيد. كما أن التحدي ليس البحث عما إذا كنا جزء من الصراع أم لا، فنحن جزء منه شئنا ام أبينا. وعليه فإن تعديل موازين القوى لصالحنا يتطلب تحديد موضوعي للمصدر الأهم لقوة إسرائيل.
والنقطة المركزية التي يجب إدراكها أن إسرائيل ثمرة للتحالفات، وليست تعبير عن قوة عضوية نتجت في أي مكان في العالم. وكما أنها لم تتشكل في فلسطين، فإنها لم تتشكل في أي مكان في العالم، بل هي ثمرة علاقات تحالفية وادوار للقوى التي حملتها. وعليه فإن الحاجة تتركز على حرمانها من حلفائها او على الأقل اضعاف تحالفاتها. فما يتمتع به العدو من تفوق وقوة، هو ثمرة نجاحه التاريخي في بناء تحالفات كبرى. فالعدو وظف مزاياه لبناء تحالفات صلبة، واتقن بشكل مميز توظيف هذه التحالفات.
وفي هذا السياق، يجب التمييز بين الحركة الشعبية الأردنية عن الحركات الشعبية في المجتمعات الغربية، والتي حققت في سياق تفاعلها مع الحرب، تغيير صورة إسرائيل وضرب العمود الفقري للدعم الغربي لها. فإسرائيل، رغم كل نجاحاتها التاريخية في تقديم رواية متماسكة ومقنعة ورومنسية للمتلقي الغربي، أصيبت روايتها بعطب في هذه الحرب، والحركة الشعبية في الغرب دليل على ذاك العطب. ولكن الحركة الشعبية في الأردن، مطلوب منها أكثر من أن تكون صدى للحركة الشعبية في الغرب، وتعمل على ما هو أكثر من كسر الرواية الإسرائيلية. المطلوب أردنياً التصدي للهيمنة الإسرائيلية على الحكم في الأردن. وهذا من شأنه أن يضعف إسرائيل، ويعدل موازين القوى لصالح شعبنا ويدعم المقاومة.
وللتخلص من هيمنة اليمين الإسرائيلي على الأردن، لا بد من اشتقاق خيارات صحيحة، ومطالب شعبية واضحة، وليس الاكتفاء بهجاء هذه الهيمنة. إذ بالرغم من أن الجميع يدرك تبعية المستبد الفاسد وعائلته لليمين المتطرف في إسرائيل، إلا أن هناك غياب مريب -أو تغييب- للشعارات المناسبة التي ترسم خط المواجهة مع الهيمنة الإسرائيلية على الأردن. فبدلاً من تبني شعارات جوفاء لا قيمة سياسية ولا استراتيجية لها مثل “افتح الحدود”، المطلوب شعارات تعبوية من شأنها حماية الأردن وتعزيز نضال الشعب الفلسطيني عبر كسر مخلب الهيمنة الإسرائيلية على الأردن. والمطلب الواضح كعنوان لهذه المرحلة هو ضرورة أن يلغي الأردن وبشكل رسمي قرار ضم الضفة الغربية لعام 1950، وأن يبادر وبشكل فوري بالاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران لعام 1967. صحيح أن تحقيق هذا الهدف لن يكون بمثابة إعلان هزيمة نهائية لإسرائيل، ولكن النضال الواضح لإلغاء قرار ضم الأردن للضفة الغربية والاعتراف بالدولة الفلسطينية يعزز وحدة الشعب الأردني، ويضع الأردن في طيف التصدي المباشر لإسرائيل، ومن شأنه اضعاف إسرائيل وتعزيز نضال الشعب الفلسطيني، وينهي اكاذيب المستبد الفاسد وخديعته للأردنيين والفلسطينيين.
أخيراً، وعطفاً على مستهل الحديث يستوجب التذكير بأن الصراع سمة من سمات الحياة والطبيعة. لا يوجد خيار ممكن للإرادة الإنسانية يضعها خارج كل الصراعات وفي منأى عنها. الإرادة تنفي نفسها إذا تحلت عن أن يكون لها موقفاً من صراع ضروري يفرض عليها. فلا إرادة ولا حياة خارج سياق الصراع الموضوعي الدي يفرض نفسه على الحياة وسياقاتها. والشعوب الحية كما الإنسان الحي، إما أن يقبل أقداره ويعيشها بشرف واقتدار، ويتخذ موقفاً مما يراه خطأ ويجب تغييره، او أن يستقيل من الحياة ويتحول إلى مجرد كتلة عديمة الإرادة تجري عليها مفاعيل الصراع دون أن يكون لها أي دور فيها. صحيح أنه لا يمكننا أن نغير في الموازين العسكرية للصراع بشكل حاسم، ولكن يمكننا اضعاف إسرائيل، وتمكين الشعب الفلسطيني من بدء قطف ثمار نضاله وتضحياته عبر ضرب مخلب الهيمنة الإسرائيلية في عمان.
2024-10-13

تعليق واحد
رغم الحراك الشعبي الكبير في الشارع الاردني دعما لطوفان الاقصى والمقاومة لكنها لا تستطيع ان تضغط على الحكومة على الاقل لطرد السفير الصهيوني في عمان ، ولم تستطيع الجماهير الاردنية والفلسطينية في الاردن ان توقف الحكومة والتجار لتصديرهم الخضراوات الى الكيان الصهيوني .
النظام الاردني خائن وعميل من المهد الى اللحد