خمسة وأربعون عاما على اغتيال الشهيدين الحمدي!
علي محسن حميد
فتحت السفارة اليمنية في اديس ابابا دفتر العزاء ثلاث مرات في فترة وجيزة. كانت الأولى بمناسبة اغتيال رجل السعودية القاضي عبد الله الحجري في لندن في ابريل ١٩٧٧ والثانية بمناسبة الاغتيال الوحشي في ١١ اكتوبر ١٩٧٧ لرئيس دولة بحجم ومكانة وشعبية إبراهيم الحمدي التي نفذها المقدم أحمد الغشمي رئيس الأركان الذي لم يكن يستحق حتى رتبته العسكرية وموقعه العسكري والصلاحيات الواسعة التي منحها له ضحيته. في منزله قتل الأخوين الحمدي غدرا وعمدا وعن سابق تخطيط. كان الحمدي ضيفا دعي إلى تناول طعام الغداء وإذا به يصدم برؤية أخيه عبد الله مذبوحا وجثته المضرجة بالدم ملقاة على الأرض. تعاون في تلك الجريمة البشعة وغير المسبوقة التي لن ينساها اليمنيون الرائد علي عبد الله صالح القائد العسكري لمحافظة تعز وتمت بإشراف مباشر من الملحق العسكري السعودي بصنعاء صالح الهديان ورؤسائه في الرياض. العزاء الثالث كان بعد اغتيال القاتل الغشمي، وفيه قال سفير النمسا بعد أن كتب في سجل العزاء بضع كلمات لقد جئت في فترة وجيزة إلى هذا المكان للعزاء ثلاث مرات وأتمنى أن آتي إليه مستقبلا في مناسبات مختلفة.بعد الاغتيال بدأ مسلسل الردة عن أهداف ومبادئ الثورة ولم يطل العهد بحكم الغشمي لكي ينفذ أجندته في القمع والتنكيل وإفقار الخزينة العامة التي كانت مملؤة حد التخمة في عهد الشهيد الحمدي. يد الغشمي الملطخة بالدم امتدت إلى الشهيدين علي قناف زهرة والشمسي الذي أخفى جثتيهما بجرف في قريته، ضلاع . كان كل طموح الغشمي أن يحكم وأن يملك ثروة يستطيع بها تدجين المعارضين من مشائخ وقوى نخبوية رخوة وأن يحكم بدون معارضة. ولتحقيق هذا الهدف كان يغدق المال على من يطلبه أو على من استقبله ولم يطلب. شراء الولاءات بالمال دشنه الغشمي في العهد الجمهوري ثم سار على طريقه وبزّه خلفه علي عبد الله صالح. وخوفا من طموح علي صالح في السلطة منعه الغشمي من التواجد في صنعاء وأمره بأن لايغادر مقر عمله بتعز.الغشمي كان حريصا جدا على أن يحظى بدعم مفتوح من قبل السعودية راعية انقلابه هو وصالح على الحمدي وعلى طموح اليمنيين في نظام جمهوري تنموي – ديمقراطي تحكمه المؤسسات وليس الفرد مهما علا إخلاصه وتنزهت وطنيته وأن لاتنقلب عليه كما انقلبت على الحمدي. بالانقلاب على الحمدي أصبحت السعودية منذ ذلك الوقت صانعة الرؤساء والمسيرة لهم والكابحة لأي تغيير تنموي وديمقراطي والراشيةلهم..السعودية لم تكن لتنقلب على الغشمي لأنه لم يكن يحمل مشروعا وطنيا كالحمدي الذي جدد دماء ثورة سبتمبر المتخثرة ونجح في وقت قصير في الاستحواذ على شعبية غير مسبوقة في تاريخ حكام مابعد الثورة بمن فيهم الرئيس الراحل السلال .كان الحمدي جادا ومخلصا في سعيه للإصلاح وفي إشاعة ثقافة طهارة اليد ومحاربة الفساد وتحقيق التنمية.
وكان القدوة التي بدونها يفقد المواطن ثقته بقائده.وكثيرا ماتساءل الحمدي في خطاباته ولأكثر من مرة ” أين الثورة” وهو يشاهد واقع التخلف المريع وغياب الأساسيات من طرق مرصوفة بالتراب فقط وليست معبدة بالأسفلت وشبكات مياه للشرب والمستوصفات والمدارس التي كانت من صلب مبادئ الثورة ولم تفِ الثورة إلا ببعضها ولسكان المدن الكبرى. التغيير الذي يخدم الناس وينقلهم بالتدريج وبحسب الإمكانيات المحلية لم يكن محل رضا قوى في الداخل وفي الخارج لذلك تم اغتيال رمزه وقائده لنبقى في دوائر التخلف والفساد والمحسوبية والتبعية . لم ينفذ الاغتيال مجانا بل بملايين الدولارات وقدكان لعلي صالح نصيب الأسد منها. اغتيل حلم وطموح اليمنيين بالتغيير وحقهم في أن يحكمهم من يرضونه ويكون قريبا منهم ويحقق مالم يتحقق على مدى عقد من الزمن ونيِّف من عمر الثورة. باغتيال الحمدي اغتيل الحلم والطموح وانتهت كلية مشاركة الناس في مسيرة البناء عبر مجالس التعاون الأهلية.بالأرقام لم تنتقل اليمن نقلة كبيرة ولكن بالإمكانيات المتاحة وفي زمن لايتجاوز الأربع سنوات فإن ماتحقق في عهد الحمدي كان معجزة بعد ركود طويل ويأس عام من أن تحقق الثورة بعض أهدافها وليس كلها وبالتراكم الكمي والنوعي كان يمكن تحقيق العديد من الأهداف التنموية وتطوير النظام السياسي باتجاه ديمقراطي ومؤسسي. الحمدي نفخ في الناس روح التعاون والتجاوب مع التغيير الذي كان لصالحهم وقضى على حالة اللامبالاة والسلبية الشائعة والقبول بالأمر الواقع وانتظار أن تفعل الدولة ذات اليد القصيرة كل شيء نيابة عنهم. ولم يطل عمر الحلم لأن البعض من بني جلدتنا كانوا يرون ذلك خصما من مصالحهم ومن مكانتهم ومن نفوذهم ناهيكم عن الجار الذي يصر في سياساته نحونا حتى اليوم أن لاتقوم لنا قائمة. كان من بين أسباب اغتيال الحمدي تقاربه مع نظام الجنوب الذي شيطنته رموز مشيخية وقوى سياسية إسلاموية وعناصرجنوبية شاركت في قيادة جبهة تحرير جنوب اليمن التي خلقتها وساهمت خِفية وبذكاء السعودية في تمويلها وليس تسليحها. هذه العناصر شاركت في السلطة منذ انقلاب نوفمبر عام ١٩٦٧ وكان شغلها الشاغل هو أن تظل علاقة الشطرين متوترة وعدائية وفي حالة أقرب ماتكون إلى حالة الحرب الدائمة وأن لايتم أي تعاون في أي مجال مع الجنوب. .اعترض هؤلاء الجنوبيون مع قوى شمالية معروفة على اتفاق اكتوبر ١٩٧٢ في القاهرة الموقع بين رئيسي وزراء الشطرين محسن العيني وعلي ناصر محمد ووقفوا ضد بيان طرابلس الموقع بين رئيسي الشطرين الإرياني وسالمين في نوفمبر عام ١٩٧٢ واعترضوا بشكل خاص على إنشاء تنظيم سياسي كان مفقودا في اليمن الجمهوري. كان هؤلاء وبدون مواربة يعبرون عن موقف صريح معادٍ للجنوب ولقوى اليسار في الشمال ويتماهون بقوة مع الموقف السعودي من النظام في الجنوب ومن قوى التغيير المدنية في الشمال. و جينها لم يكن خافيا تعاون المرحوم عبد الله الأصنح مع جهاز الأمن في كل مايتصل بقمع قوى اليسار وسجن أعداد كبيرة منها.كان هؤلاء فعلا حصان طروادة السعودي في الشمال وعبر عناصرهم في الجنوب كانوا يوافون السعودية ببعض ما يحدث في الجنوب.. اشترك هؤلاء بكل تأكيد في مؤامرة اغتيال الحمدي، أسرته تؤكد هذه الحقيقة، لأن تقاربه مع الجنوب والقيام بخطوات وحدوية ولو متواضعة جدا بين الشطرين كان خطا أحمر يهدد بالإ طاحة بطموحاتهم للعودة إلى عدن وحكم الجنوب والانتقام من خصومهم في الجبهة القومية. امريكا ذاتها كانت متورطة في اغتيال الحمدي ومن غير المعقول أن امريكا التي تسمع دبيب النملة في جميع أصقاع الأرض لم تقم بالتجسس على مكالمات هاتفية في داخل اليمن وخارجها كانت من وسائل تنفيذ الاغتيال.لفترة كبيرة كانت الأهداف والسياسات السعودية والامريكية في اليمن متطابقة تماما وكانا ينظران إلى الشمال كجغرافيا لغزو الجنوب والقضاء على نظامه. وفي ضوء هذه الحقيقة سألت قبل سنوات قليلة الأستاذ محمد الحمدي عن دور امريكا في اغتيال أخيه إبراهيم وكان رده أن السفير الامريكي زار أسرة الشهيد الحمدي في ثلا لتقديم واجب العزاء وأنه أشاد بالشهيد وعبر عن حزنه للمصير المؤلم الذي لقيه على يد من لم يكن دورهم غائبا عن ذهن السفير. قبل اغتيال الحمدي وبعده واليمن يعيش دوامة عنف لم تشهدها أي دولة ولم يعانِ من سلبياتها أي شعب كالشعب اليمني.هل نأمل بأن الأيام القادمة، رغم تعدد المليشيات المسلحة المتعارضة الأهداف والولاءات ستكون حبلى بالسلام الذي يغيب فيه العنف وتتوقف فيها شلالات الدماء التي تسيل بغزارة حتى اليوم. في عهد صالح الأسود قضى الآلاف إرهابا وحروبا وغدرا لا لأي قضية وإنما لكي يظل هو وأسرته في السلطة أطول وقت ولكي تستحوذ أسرته على معظم مقدرات شعب أفقره واغتنت وحدها بالمليارات من الدو لارات التي بها وبدعم الخارج عسكريا وماليا تصر على العودة لحكمنا من جديد. الحديث عن عهد صالح ممتد.
2022-10-11