حين يصبح (الارهاب الديني) سببا لتخلف بلادنا العربية!
د. رفعت سيدأحمد
تعيش أمتنا العربية واقع سياسي وإجتماعي ضاغط ومعقد ..تظلله العديد من التحديات والتي تأتي قضيتي (التنمية ) و(مواجهة الارهاب ) في مقدمتها وبتفاقم دورهما تحرم الامة من مستقبل عربي أفضل وأقل تعاسة من الماضي الذي سطت علي أشواق إصلاحه ؛جماعات الارهاب الديني والتكفير السياسي .. *اليوم ونحن نرنو بأنظارنا الي ذلك المستقبل القادم وتحدياته..نقف بإنتباه امام دور المثقف الفاعل في المواجهة و البناء . **فإذا كان العرف العلمي – دوليا – قد إستقر علي تعريف عام لمصطلح التنمية المستدامة بأنه (مصطلح اقتصادي اجتماعي أممي، رسمت به هيئة الأمم المتحدة خارطة للتنمية البيئية والاجتماعية والاقتصادية على مستوى العالم، هدفها الأول هو تحسين الظروف المعيشية لكل فرد في المجتمع، وتطوير وسائل الإنتاج وأساليبه، وإدارتها بطرق عادلة لا تؤدي إلى استنزاف موارد كوكب الأرض الطبيعية،) فإن دور الثقافة والمثقف في تأكيد هذا المصطلح وإشاعته يعد في تقديرنا ؛دورا أساسيا خاصة في بلدان ما يسمي بالعالم الثالث التي ينتمي اليها وطننا العربي *وفي هذة السطور نحاول أن نستقرأ هذا الدور في الواقع والمستقبل من خلال إشتباك المثقف مع قضايا أمته ووطنه ليصبح بحق (المثقف العضوي )كما صك مصطلحه ذات يوم ( جرامشي ) . ومن بين أبرز القضايا التي واجهها (المثقف العربي )في الماضي ، وسيواجهها في المستقبل ، تأتي قضايا الارهاب بأنواعها وتنظيماتها وأفكارها المختلفة ..وهو -الارهاب – الذي يعطل من -وجهة نظرنا – التنمية بل ويدميها ويحول دون وصولها الي أهدافها المبتغاة إجتماعيا وإقتصاديا وسياسيا *.وفي هذة الدراسة نبغي الوصول الي مجالات أرحب لدور الطليعة والنخبة الثقافية العربية في مواجهة الارهاب الذي هو البوابة الخلفية لتزايد معدلات الفقر والتخلف وتدهور التنمية بل وإنتعاش الاستبداد السياسي والتصحر الفكري ..غايتنا هي علو هامة هذا الوطن العربي بفكره وثقافته وذلك لن يتم دونما مواجهة جادة للارهاب الذي نخر كالسوس في أجساد وعقول العديد من بلداننا في سنوات ما سمي ب(الربيع العربي ) وآن له أن يواجه :وهذا هو الدور الحقيقي للمثقف !
في معني المثقف ..والتنمية
في البداية : ماذا نعني بالمثقف في زماننا العربي الراهن ؟وماذا نعني بالتنمية المستدامة والعادلة في واقعنا العربي ؟
-تكاد تجمع الاراء علي أن كلمة المثقف والثقافة – لغةً – مشتقان من مادة (ثقف)، والتي تدل – حسب ما جاء في معاجم اللغة العربية وقواميسها – على عدَّة معانٍ، منها: الحذق، وسرعة الفهم، والفطنة، والذكاء، وسرعة التعلُّم، وتسوية المعوجِّ من الأشياء، والظفَر بالشيء].
وعرَّف مجمع اللغة العربية (الثقافي) بأنه: “كل ما فيه استنارةٌ للذهن، وتهذيبٌ للذوقِ، وتنميةٌ لِمَلَكة النقد والحُكْم لدى الفرد والمجتمع”
وإذا أضفنا الي ذلك أن المثقف واقعيا هو بمثابة : ناقدٌ اجتماعيٌّ، “همُّه أن يحدِّد، ويحلِّل، ويعمل من خلال ذلك على المساهمة في تجاوز العوائق التي تقف أمام بلوغ نظام اجتماعي أفضل، نظامٍ أكثر إنسانية، وأكثر عقلانية”،
- وإذا ما طبقنا هذة التعريفات اللغوية والاجتماعية علي (المثقف العربي) في زماننا الراهن ..فسنجده مباشرة مرتبط بالدور الاجتماعي وبالمسئولية الوطنية في آن واحد ..وأنه لايمكن له أن يكون مثقفا بالمعني الدقيق للكلمة ؛إن لم يكن ذو دور فعال في قضايا وطنه وخاصة القضايا المشتعلة والمؤثرة ولعل قضيتي (التنمية والخروج من عنق الفقر والديون والتخلف و( مواجهة الارهاب الفكري والديني والسياسي ) بكل أنواعه وبكل حامليه :أفرادا أوجماعات أو دولا وأجهزة حاكمة …دور المثقف العربي لايستقيم ولا يصح علميا وسياسيا أن يطلق عليه تلك الصفة (المثقف العربي ) دونما إنحياز جلي لقيم : الحق والعدل والحرية وهم أنصع ما يكونوا وضوحا حين يترجموا في واقعنا اليوم في قضيتي (التنمية – ومواجهة الارهاب ) “.
– أما التنمية العادلة و المستدامة كمصطلح فهي بشكل عام وكما سبق في مدخل هذة السطور ..تعني( تنمية مستمرة هدفها الأول هو تحسين الظروف المعيشية لكل فرد في المجتمع، وتطوير وسائل الإنتاج وأساليبه، وإدارتها بطرق لا تؤدي إلى استنزاف الموارد الطبيعيةسواء في بلادنا العربية أو علي مستوي العالم )بهذا المعني ثمة أنواع من التنمية المستدامة بدءا من التنمية الاقتصادية مرورا بالتنمية البيئية والتمية البشرية وإنتهاء بالتنمية الاجتماعية والتي تشتمل علي فروع عدة منها ما يتصل بصِحّة الإنسان، وأمْن المَوارِد، والتّعليم، كَما يُمكن للجُهود المَبذولة لِزيادة الاستدامة الاجتماعيّة أنْ تُفيد البيئة أيضاً،.كما يُعزّز البُعد الاجتماعيّ للاستدامة تبنّي القِيَم والتّغييرات في المجال الثّقافي، من أجل التّوفيق بين العمل البشريّ والبيئة وتحسين العلاقات الاجتماعيّة للأجيال القادِمة، ويسعى هذا البُعد أيضاً إلى تقليل آثار الفَقْر والانحرافات الدّيموجرافيّة كما يُعد التّبادُل الثّقافيّ بيْن الدُّول مُهمّاً للغاية لِمواصلة تعزيز الحَركات والأنشطة القائمة على الاستدامة، حيثُ تحتفظ كُل ثقافة بِعلاقة خاصّة مع البيئة والمَوارِد التّي تُوفّرُها والأُسس الاجتِماعيّة التّي قامَت عليها * إن الخلاصة هنا أن التنمية الثقافية كأحد مستويات وأدوات التنمية المستدامة يأتي في سياقها الدور المفترض للمثقف في مواجهة تحديات تلك التنمية وتحقيق شروط نجاحها وفي مقدمتها عربيا اليوم يأتي تحدي( الارهاب الداعشي) وما إرتبط به أو تفرع عنه من إرهاب ديني أو فكري أو حكومي مستبد ! هنا يأتي أهمية إستحضار تاريخ وواقع الارهاب الداعشي (كأحد أبرز مهددات التنمية المستدامة في بلادنا العربية ) وإستحضار سبل مواجهة المثقف العربي الحق (وليس المثقف المنافق )لتلك التنظيمات الارهابية أو للحكومات المستبدة التي تتوسل زيفا بحجج مقاومة الارهاب وهي لاتقاومه صراحة ..لفرض إستبدادها الدائم والذي لاينتهي ! * لقد كان –ولايزال- الهدف الرئيسي لداعش وآخواتها من تنظيمات الارهاب المسلح هو إيقاف كل عمليات التنمية ونشر الفوضي والدم وهو المناخ الانسب لعملها فهي لاتعمل في بلاد موحدة ..يد الدولة وجيشها فيها قوي وثابت.. هي تعمل في حالات الفوضي والصراع والحروب الاهلية وتبدع في عملها هذا وتقدم لمن وظفها أجل الخدمات من نشر للفوضي الي تفكيك للاوطان ..وهي من ثم ينطبق عليها القول بأنها ليست (جماعات إسلامية ) بل (جماعات وظيفية ) وتعمل بالاجر لدي من يبغي إفقار وتخلف وتفكك البلاد العربية المركزية
*هذا و سيظل المثقف العربي الحق (وليس المثقف الانتهازي !) ركيزة أساسية في مواجهة كل معاول الهدم للتنمية في بلادنا العربية ولعل معول الارهاب في طبعاته القديمة أو (الداعشية الجديدة ) ؛هو أخطر تلك المعاول اليوم (2024)وأكثرها قدرة علي هدم أشواق الاصلاح والتنمية العادلة ..فهو معول لاتستقيم له الحياة و لا يتحقق له النصر الا وسط الفوضي والفقر وعدم الاستقرار هكذا أنبئتنا تجربة العراق وسوريا ومصر مع ثورات الربيع (العبري)
2024-05-24