حين تُدار الهتافات من واشنطن: قراءة في احتجاجات إيران!
فاطمة الموسوي
واهمٌ من يتصوّر أن ما يجري في إيران احتجاجٌ بريءٌ بلا سياق ولا مُحرّك. فالأحداث لا تُقرأ بالسطح، ولا تُفهم بمعزل عن غرف القرار في واشنطن. الإدارة الأمريكية قرّرت تصعيد الضغط الاقتصادي على طهران، فكان انهيار الريال سلاحًا مُتعمَّدًا، انهيارًا غير مسبوق، مقصودًا لا عفويًا، جزءًا من حرب خنقٍ طويلة تُدار بالأرقام بدل الدبابات.
نعم، من حقّ الإيرانيين أن يصرخوا، أن يطالبوا بلقمة عيشٍ كريمة، وأن يحلموا باقتصادٍ قويٍّ يليق ببلدهم. لكن السؤال الأخطر: هل يُدرك هؤلاء، أم يتعامون، عمّن يقف خلف تأجيج هذا المشهد؟ هل يُدركون أن اليد التي تُصفّق لهم اليوم، هي ذاتها التي ستخنقهم غدًا؟ إنها الإدارة الأمريكية–الصهيونية، التي لم تتغيّر أدواتها ولا أهدافها: تفكيك الأنظمة التي ترفض الانصياع، وإحلال أنظمةٍ وظيفيةٍ لا ترى في المنطقة سوى مزرعة مصالح، وحارسًا متقدّمًا لإسرائيل.
وإلى أولئك الحمقى من أبناء هذه المنطقة، الذين يهلهلون لسقوط النظام في إيران وكأنهم يحتفلون بنصرٍ شخصيّ: افهموا، إن كنتم تفهمون، أن سقوط طهران ليس حدثًا محليًا، بل زلزالٌ إقليمي. سقوط طهران يعني سقوط المنطقة بأكملها، يعني أن الحاكم الفعلي سيكون إسرائيل، وأن مشروع “الشرق الأوسط الجديد” لن يُنفّذ على الورق هذه المرّة، بل بالنار، وأنتم شهود صامتون، وربما ضحايا لاحقون.
إيران اليوم هي آخر معاقل الشرف السياسي في هذه الجغرافيا المنهكة. سقوطها ليس سقوط دولة، بل سقوط ميزان، سقوط فكرة المقاومة، سقوطنا جميعًا. ألم تروا كيف خلخل سقوط سوريا ميزان القوى؟ ألم تفهموا بعد أن كل عاصمة تسقط، تفتح الباب لعواصم أخرى؟
أما الدليل الأوضح على قذارة المؤامرة، فهو تصريح المهرّج ترامب، حين توعّد بالتدخل إذا ما قررت إيران قمع المتظاهرين! يا للسخرية. إدارةٌ غارقة في الدم، قمعت متظاهريها في شوارع أمريكا، وأسقطت منهم القتلى والجرحى، تأتي اليوم لتلقي علينا محاضرات في حقوق الإنسان والشرف السياسي. عهرٌ سياسيٌّ مكشوف، لا يستحي حتى من تناقضه.
صحيح، إيران دولة مؤسسات، ونظامها متماسك، وليس من السهل سحقها بهذه المسرحيات. إيران أكبر من هذه المؤامرات الرخيصة، وأعمق من أن تُسقطها هتافات مُدارة من الخارج. لكن الخطر الحقيقي، كل الخطر، لا يأتي من الخارج وحده، بل من طعنات الداخل، من الغفلة، من تحويل الألم الحقيقي إلى أداة في يد العدو.
الحذر… كل الحذر، فالتاريخ لا يرحم الأغبياء، ولا يُسامح من يفتح الأبواب للغزاة وهو يظن نفسه ثائرًا.
2026-01-03