حين تخلع صفة …الرسول على السيد أردوغان
أسماعيل القاسم الحسني
المناكفة الصبيانية التي يخوضها السيد أردوغان، ضد الرئيس بوتين زادت من تقزيم حجمه، و كشفت مدى تأثير غرور السلطان على صاحبه، و كيف يمكن للكِبر أن يوقع بمن ركبه في أغبى المطبات؛ و حين أصف ردود السيد اردوغان بالصبيانية، ليس إلا لكون مضمونها مجرد رسكلة اتهامات روسيا له، ذلك أن الرجل لو كان يملك دليلا فعليا على تورطها في تجارة النفط مع داعش، لكان سبّاقا لكشف الموضوع، و لا يترك السبق للقيادة العسكرية الروسية؛ و إنما كذلك و الحال في هذا السلوك الطفولي، أنه صرح من قبل بمحاولاته المتكررة لمكالمة الرئيس فلاديمير بوتين، و رُد طلبه بشكل مهين، ثم عوض أن ينتصر لمكانته كما يدعي أتباعه من بني جلدتنا، أعلن بأنه سيعمل على لقائه في القمة التي عقدت في باريس مؤخرا، لا أدري كيف استقام في عقل السيد اردوغان إمكانية لقاء رجل رفض مجرد مكالمته، لعله عول كثيرا على أصدقائه المتوهمين الغربيين، و قدرتهم على التأثير في موقف بوتين منه، و ذلكم إن صح دليل آخر على أن الرجل قد سحبه الكبر لمواقف بالغة الغباء.
ما يعنيني من جهة أخرى، هو كثرة المصفقين و المهللين للسيد اردوغان من القوم؛ و هنا لدي وقفة أعتقد أنها تستحق التأمل:
بداية لا أحد يجادل في تطور تركيا على الأصعدة الاقتصادية و التجارية و ما لازمها من بنا تحتية خلال العقدين الماضيين، و أنها انتقلت من مصاف الدول المتخلفة الى مستوى مرموق لتتصدر المراتب الأولى.
التيار الاسلماوي أو المتأسلم العربي منه على وجه الخصوص، نقل صفة السيد اردوغان من “الاسطورة” الى “زعيم الأمة الاسلامية” ثم و قبيل الانتخابات الرئاسية التركية، خلع عليه أكبرُ رمز لذلكم التيار الاسلماوي صفة الرسول – و العياذ بالله- مدعيا بأن الله و جبريل و المؤمنين و الملائكة ظهيرا للسيد رجب طيب اردوغان؛ و هنا لست أشكك في اسلام اردوغان، و لكن الخلط بين شخصيته و سياسة الدولة التركية على أنها اسلامية أمر بالغ الخطر و الغباء في آن.
بمعنى هذا الأسطورة او قائد الأمة الإسلامية الذي رفع قدره لمقام الرسل، هل نجح في الاقلاع بالاقتصاد و النمو في تركيا بفضل تطبيق قواعد الاقتصاد الاسلامي و قوانينه ليكون حجة معتمدة؟
الواقع و الثابت المؤكد أن لا علاقة بين الوهم المسوق للعامة و الواقع القائم، فاقتصاد تركيا قائم بكله و كلكله على قوانين غربية بامتياز، و على راسها النظام الربوي الذي يرفعه نفس التيار الاسلماوي العربي الداعم لأردوغان، كسلاح حرب داخل أوطانهم، أما النظام الضريبي (ليس من الاسلام في شيء) فحدث عن بحره في تركيا و لا حرج.
إذن علينا أن نميز بين أسباب نمو تركيا الواقعية، و لا نلبسها مواقف سياسية تتزين بمفردات و عبارات دينية، قيمتها لا تزيد عن استقطاب الواهمين و المتوهمين؛ لقد زرت تركيا و لم أجد فارقا في مظاهرها عن الدول الاوروبية التي زرت بعضها، اللهم إلا العمران التاريخي الاسلامي السابق في وجوده طبعا، و بعض مظاهر المواطنين بزيهم الاسلامي، عدا عن ذلك فلا شيء يوحي بأنك في دولة اسلامية على الصورة التي يسوق لها التيار المصفق. و هذا يمكنك أن تعاينه في اي دولة اوروبية.
و أعود للسيد اردوغان الذي اجتمع عليه النجاح في نمو بلده مع سعة وعاء المتوهمين من قومنا، فتصور أنه فعلا اسطورة عصره و نبي زمانه؛ بالمناسبة التيار الاسلماوي العربي الذي يسوق للناس بهتانا عداءه للعدو الاسرائيلي، و كثيرا ما رفع هذا “الشعار” في وجه أنور السادات مثلا و محمد حسني مبارك و غيرهما تصريحا او تلميحا مثلما حدث في تونس و المغرب و الاردن، لا يلتفت بالمرة لعلاقة السيد أردوغان بكيان العدو الاسرائيلي، و لا لزياراته المتعددة، و لا للعلاقات الدبلوماسية الوطيدة، و لا للاتفاقيات التجارية و العسكرية و الأمنية الخطيرة، مع أنها معلنة و مشهرة، و للأمانة لا أعرف شخصيا أي تبرير أو تفسير يقدمه هذا التيار لهذا الواقع الخطير كذلك، غير تلكم الحجة “معاهدة الرسول مع يهود المدينة”، و هذا مسخ للواقع المؤرخ، و قياس معتل لوجود فوارق و ليس فارقا واحدا، و اجتزاء مجرما بحق السيرة النبوية الشريفة، لأنهم يحجبون أو يقفزون على واقع ما فعل الرسول حين نكث اليهود بمواثيقهم، و الحال أن كيان العدو نكث عهوده ليس مع الامة الاسلامية أو العربية فحسب، و إنما مع تركيا ذاتها، و مع هذا القائد الاسطورة نفسه (وفق شهادة اردوغان شخصيا).
يقول السيد اردوغان في معرض مناكفاته الطفولية للرئيس الروسي: لم تكن مجبرا على الاستجابة للأسد… يفترض أن السيد أردوغان بصفته رئيس حكومة حين اندلاع الازمة السورية و رئيسا حاليا، أنه أسس موقفه كما يدعي بناء على معلومات موثوقة رفعتها اليه مؤسسات تابعة لدولته، و تقارير لموظفين من مواطنيه، يتوج هذا الجهد بعلاقته المباشرة و اتصالاته بالقيادة السورية أيامها؛ و هنا لا ندري كيف يفوته بأن روسيا بنت موقفها كذلك من الازمة السورية، معتمدة على مؤسساتها و تقارير موظفيها (و هذا شأن أغلب الدول)، و من المعلوم أن روسيا دولة عظمى، فهل تخيّل السيد أردوغان، أن الصورة المسوقة عنه من قبل التيار الاسلماوي لها أدنى قيمة أو اعتبار لدى القيادة الروسية، و عليها توهم بأن روسيا مدعوة حتما للنظر الى الازمة السورية بعيون تركية؟ فما لا يمكن أن ينكره إلا مكابر أو جاهل أمران، أولهما:
أن علاقة الدولة الروسية مع سوريا اعمق في التاريخ المعاصر و أوسع دبلوماسيا و عسكريا و أمنيا منها مع تركيا التي لم تعرف تحسنا الى قبيل اندلاع الازمة، و هنا سؤال كبير قد نأتي على البحث فيه بمقال آخر؛ و ثانيهما: أن المكلفين المباشرين الروس بالملف السوري، أكان على الصعيد الامني و العسكري أم في ساحات أخرى، يفوق عددا كل موظفي الدولة التركية.
هذه الشخصية التي انتفخت نتيجة النجاح الاقتصادي و التنموي على النمط و القوانين الغربية، تورّمت نتيجة صفات القداسة و الإجلال التي خلعتها عليها شخصيات اسلماوية عربية بالوراثة، حتى بلغت بها الحال لأن تلاحظ على رئيس دولة عظمى بحجم روسيا، أنه لم يكن مجبرا على تلبية دعوة الأسد؛ و إذا كانت هذه الملاحظة مشروعة، فحري بها حليفه الأول الرئيس باراك اوباما و مرتزقة حلف الناتو، هل كانوا مجبرين للاستجابة لملك السعودية حين حطوا بنصف مليون عسكري في الجزيرة العربية؟ و هل كانوا مجبرين على تلبية دعوة عبد الرحمن شلغم للتدخل في ليبيا؟
و هل كان الملك سلمان مجبرا على تلبية دعوة عبد ربه؟ بل هل كان السيد اردوغان مجبرا على فعل ذلك بخصوص ليبيا؟
لا أعتقد أن الرئيس الروسي سيلتفت لهذه المهاترات الصبيانية و يجيب عنها، و حتى إن فكر في ذلك فلا شك لدي أنه لن يكون إلا بعد إجابات الرسول الجديد……………طيب الله أوقاتكم.
بالمناسبة قد لا يعلم التيار الاسلماوي العربي، أو يُغفل عن عمد، بأن رسولهم كان الوسيط الحريص جدا، في مفاوضات غير مباشرة بين ذلكم الأسد و ايهود اولمرت رئيس حكومة العدو الإسرائيلي، و قد عبّر هذا الرسول نفسه و بعظمة لسانه على تمسك القيادة السورية بحقوق الشعبين السوري و الفلسطيني، و أن جانب العدو الإسرائيلي هو من غدر و أفشل مساعي الرسول الجديد، و نكث بعهده بإعلان حربه على قطاع غزة 2009……… الرسول الجديد كان كذلك رسولا فاشلا بين ذلكم الأسد المتهم اليوم، و (العدو) الاسرائيلي الصديق المؤتمن منذ القدم…………. طيب الله أوقاتكم ثانية
الفلاح الجزائري
2015-12-04