حول حل “المبادرة الشيوعية الأوروبية”!
في 11 أيلول 2023، نشرت أمانة “المبادرة الشيوعية الأوروبية” بيانا بعنوان “حول إنهاء نشاط المبادرة الشيوعية الأوروبية”. وكان قدتم إنشاء “المبادرة الشيوعية الأوروبية” في خريف عام 2013 بمبادرة وبمشاركة نشطة من الحزب الشيوعي اليوناني.
في الإعلان التأسيسي للمبادرة، تم وصف هدفها بأنه “المساهمة في البحث ودراسة القضايا المتعلقة بأوروبا، ولا سيما فيما يتعلق بالاتحاد الأوروبي، والخط السياسي الذي يتم رسمه في إطاره وله تأثير على حياة العمال، وكذلك المساعدة في صياغة مواقف مشتركة للأحزاب وتنسيق تضامنها وأنشطتها الأخرى”.
وكان الهدف الحقيقي أوسع من ذلك: وصف ممثلو الحزب الشيوعي اليوناني المبادرة مرارا وتكرارا بأنها شكل من أشكال التعاون الإقليمي وتنسيق أنشطة الأحزاب الشيوعية والعمالية في أوروبا، و”خطوة إلى الأمام في تنسيق نضال الحركة الشيوعية”، وكمحاولة لتشكيل “قطب ماركسي لينيني” وإعادة تنظيم الحركة الشيوعية الأممية.
وفي خطابه الافتتاحي للاجتماع التأسيسي لـ “المبادرة الشيوعية الأوروبية” في 1 تشرين الأول 2013، قال عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي اليوناني مارينوس: “إن مبادرتنا تخدم وحدة الحركة الشيوعية في أوروبا وتعزيز نضال الأحزاب الشيوعية من أجل حقوق الطبقة العاملة والشرائح الشعبية، والشباب… وستدعم جميع الأحزاب، بتوجهاتها بمسؤولية وإصرار، هذه المحاولة، التي ستعطي زخما لنضال الحركة الشيوعية في أوروبا، مع تأثير إيجابي في الحركة الشيوعية الأممية».
إن المعلومات حول وجود مثل هذا الهيكل على مدى السنوات العشر الماضية قد يكون مفاجأة بالنسبة للعديد من الشيوعيين، وخاصة في روسيا ودول ما بعد الاتحاد السوفيتي. ما هي المنظمات التي تتكون منها المبادرة، وما هي الأنشطة التي قامت بها؟
يمكن العثور في موقع المبادرة على الشبكة، على مجموعة متنوعة من المنظمات و “الأحزاب المشاركة”، بالإضافة إلى الحزب الشيوعي اليوناني نفسه. فمن بين 32 عضوا في “المبادرة الشيوعية الأوروبية”، هناك عدد قليل فقط من الأحزاب الشيوعية الماركسية اللينينية الفعلية.
تبين أن الغالبية العظمى من المشاركين في “المبادرة” هم إما منظمات نصف ميتة لم تظهر أي نشاط لسنوات عديدة (مثل “حزب الشيوعيين البلغاريين”، “الحزب الشيوعي الموحد لجورجيا”، “الحزب الاشتراكي في لاتفيا”، إلخ)، أو مجموعات انتهازية ذات مواقف اجتماعية شوفينية (“حزب العمال المجري”، “الحزب الشيوعي (إيطاليا)”، “الحزب العمالي الشيوعي الروسي”، “الحزب الشيوعي الجديد ليوغوسلافيا”، إلخ.).
وجاء في البيان الصحفي الصادر عن أمانة “المبادرة الشيوعية الأوروبية” أن أحد أسباب استحالة مواصلة عمل المبادرة هو “الاختلافات الأيديولوجية والسياسية الهامة التي نشأت مع مرور الوقت، والتي تفاقمت منذ اندلاع الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي وروسيا الرأسمالية”.
إذا نظر المرء إلى موقع “المبادرة الشيوعية الأوروبية” على الشبكة، سيلاحظ أنه لم يتم تحديث أقسام الموقع، في الواقع، مع استثناءات قليلة، وعمليا لمدة خمس سنوات أو أكثر. وعلى مدى السنتين الماضيتين، لم تتجاوز أنشطة المبادرة، مع استثناءات نادرة، عدا عن بيانات الأمانة بشأن الأحداث الجارية وذكرى وقائع تاريخيّة مشهودة.
كانت “المبادرة الشيوعية الأوروبية” تتعامل بالكاد مع المهام المنوطة بها. تم القيام بدراسة القضايا المتعلقة بالاتحاد الأوروبي وتوحيد الحركة الشيوعية كإجراء شكلي فقط. علاوة على ذلك، أضفت “المبادرة” الشرعية على العديد من المنظمات الانتهازية والتحريفية. وفي نهاية المطاف، وبدلا من تنشيط وإحياء وتطوير الحركة الشيوعية في أوروبا، ساهمت في الحفاظ على الوضع الراهن، أي حالة الأزمة في الحركة الشيوعية الأممية.
ويمكن العثور على مثال جيد لما جرى، في مجموعة المنظمات التي مثلت روسيا ودول ما بعد الاتحاد السوفيتي الأخرى في “المبادرة الشيوعية الأوروبية”: “الحزب العمالي الشيوعي الروسي”، والحزب البيلاروسي “من أجل الاتحاد والحزب الشيوعي للاتحاد”، و”الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي”، و”الحزب الشيوعي الموحد لجورجيا”.
كل هذه المنظمات التحريفية (لا في أنشطتها ولا في حجمها يمكن أن تحمل صفة “الحزب”) وقد شاركت على مر السنين في العديد من الاجتماعات الموسعة والمؤتمرات والنقاشات تحت رعاية “المبادرة الشيوعية الأوروبية”. وبعد شباط 2022، دعموا الإجراءات الإمبريالية للاتحاد الروسي تحت شعارات الكفاح ضد الهيمنة الأمريكية و”تصدير الفاشية”.
كانت هذه المنظمات ضمن “المبادرة الشيوعية الأوروبية” لما يقرب من عقد من الزمان. وباستثناء “الحزب العمالي الشيوعي الروسي” – وهو منظمة صغيرة تعمل كبوق للشوفينية الاشتراكية في نقاشها المستمر مع الحزب الشيوعي اليوناني – لا يزال وضع وعمل هذه المنظمات غير واضح: فهي تعبر في أنشطتها عن دعم الحكومة الروسية، وتدلي بالعديد من البيانات لدعم “الحزب الشيوعي للاتحاد الروسي” و“الحزب العمالي الشيوعي الروسي”، وكذلك تقمص مظهر الأغلبية عند تنظيم توقيع بيانات أممية مختلفة لهذه المنظمات. إن وجود “منظمات” مفترضة داخل “المبادرة الشيوعية الأوروبية” مثل “الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي” قد أفقد “المبادرة” المصداقية تماما كجمعية سياسية جادة، إذ كيف يمكننا التحدث عن “أحزاب الاتحاد السوفيتي” عندما لا يكون الاتحاد السوفيتي نفسه موجودا منذ أكثر من 30 عاما؟
ومما لا شك فيه أن مثل هذه المنظمات ليست سمة فريدة للحركة الشيوعية ما بعد الاتحاد السوفيتي. إذ يمكن العثور على هياكل ميتة مماثلة في معظم البلدان الأوروبية. وما يبقى غير مفهوما هو الموقف غير النقدي تجاههم وتجاه المنظمات المماثلة من جانب الحزب الشيوعي اليوناني، المنظم الرئيسي للمبادرة، الذي لم يعبر عن انتقاده لهذا الوضع خلال هذه السنوات ولم يتخذ تدابير لإصلاحه. هذا أمر غير مفهوم بشكل أكبر لأنه، فعلى سبيل المثال، كتب الشيوعيون اليونانيون أنفسهم في عام 2016، عن الحاجة إلى جذب منظمات شيوعية جديدة إلى “المبادرة” ومحاربة الانتهازيين واللامبالاة والسلبية:
“هذه الأشكال … لا تتحرر من تأثير العدو الطبقي وسنوات عديدة من تأخير العديد من الأحزاب الشيوعية في تطوير استراتيجية ثورية حديثة على الصعيدين الوطني والأممي.
يجب على حزبنا أن يواصل جهوده في إطار المجلة الشيوعية الأممية والمبادرة الشيوعية الأوروبية، وأن يعمل من أجل استقرارهما وتوسعهما من خلال جذب قوى شيوعية جديدة، والتخلص من القوى المتأثرة بالبرجوازية والانتهازية التي تخلق عقبات، وعند الضرورة، تحويل هذه الأشكال واستبدالها بأشكال أخرى“…
ومن خلال جذب المنظمات المذكورة أعلاه وغيرها من الهياكل المماثلة إلى “المبادرة”، لم يجعل الشيوعيون اليونانيون العمل أسهل، بل عقدوا النضال ضد الانتهازيين في بلدان معينة، وخلقوا صعوبات لنضالهم أيضا. ويعارض الحزب العمالي الشيوعي الروسي وحزب العمال الهنغاري، والحزب الشيوعي الجديد ليوغوسلافيا وغيرهم علنا موقف الحزب الشيوعي اليوناني من قضية أوكرانيا، ويدينون الشيوعيين اليونانيين باعتبارهم “تحريفيين” و”مدافعين عن الولايات المتحدة”، ويدعمون ما يسمى بـ “البرنامج العالمي المناهض للإمبريالية” وحتى الانضمام إليه. و”البرنامج”، بدوره، ينشر مواد ذات طبيعة افترائية ضد الحزب الشيوعي اليوناني نفسه.
إن “المبادرة الشيوعية الأوروبية”، التي لم تعد موجودة بعد 10 سنوات تقريبا من إنشائها، لا يمكن أن تصبح “شيوعية” (حيث لم يكن هناك شيوعيون فعليون تقريبا) ولا “مبادرة” ولم تستطع تغيير الوضع المتأزم في الحركة الشيوعية الأوروبية. وسيكون من الصعب توقع نتيجة مختلفة من العديد من الأحزاب الشيوعية الزائفة: لم يقوموا بعمل في بلدانهم، وعلى المستوى الدولي، تجلى الارتباك والتذبذب في مواقهم بفارق أكبر.
في هذا الصدد، تبدو اتهامات الشوفينيين الاشتراكيين بأن الحزب الشيوعي اليوناني يسعى إلى “إملاء إرادته” سخيفة.
وفي تعليق أدلت به المجموعة الرسمية لـ “الحزب العمالي الشيوعي الروسي” في “في كونتاكتي”: “… لطالما كان الحزب الشيوعي اليوناني “متقولبا” ويحاول إملاء رؤيته على جميع الأحزاب الشيوعية في العالم. وفي الوقت نفسه، يجب أن نأخذ في الاعتبار أن الحزب الشيوعي اليوناني يأخذ مقعده في البرلمان الأوروبي – ويجلس بشكل جيد ومريح.
وفي رأينا أن هذه الاتهامات لا أساس لها من الصحة. على العكس من ذلك، إذا كان يمكن اتهام الشيوعيين اليونانيين بأي شيء، فهو اتهامهم بالسلبية المفرطة والحذر، والأمل الذي لا أساس له في إمكانية حدوث “انعطاف يساري” داخل المنظمات الانتهازية دون نقد مباشر لهذه المنظمات والوضع الذي تطور فيها.
لم تكن “المبادرة” لتعاني من مصير هيكل ميت آخر، وتكون مصدرا لتصريحات لا معنى لها ولا تفعل شيئا، لو أنها كانت حقا مبادرة، ولو أنها عملت عمليا على توحيد الشيوعيين الأوروبيين. لو تم تنفيذ هذا العمل بنجاح على مدى 10 سنوات، لما كان الشوفينيون الاشتراكيون اليوم أقوياء جدا، ولكانت الإمبريالية الدولية معارضة من قبل كتلة قوية من المنظمات الشيوعية.
ربما يمكن للماركسيين اللينينيين أن يكونوا متساهلين بشأن “المحاولة الأولى لإنشاء قطب ماركسي لينيني”، لكن الرأسماليين لن يمنحوا الشيوعيين محاولات متعددة. على العكس; ينظمون أنفسهم بنشاط. ترى البرجوازية نقاط ضعف الشيوعيين، فهي نشطة ولا تغفر الأخطاء.
لقد جلبت السنوات القليلة الماضية هجمة من القوى الرجعية في جميع أنحاء العالم. كما في السابق، يتدخل الرأسماليون بنشاط في الحركات الشيوعية في جميع أنحاء العالم (الأحداث الأخيرة في فنزويلا هي مثال حي على ذلك)، في محاولة لإخضاع الشيوعيين، واختزالهم في دور الكومبارس، وخنق النظرية الماركسية اللينينية، واستبدالها ب “معاداة الإمبريالية” الزائفة.
في “لقاء الأحزاب الشيوعية والعمالية” في هافانا في شهر تشرين أول الماضي، هاجم الاشتراكيون الشوفينيون علنا الأحزاب الماركسية اللينينية، وهددوا بإنشاء منظمتهم الأممية الخاصة، وفرضوا تنازلات حول أهم قضايا عصرنا وعرقلوا تطور الحركة الشيوعية الأممية.
يمكن للمرء أن يتكلم إلى ما لا نهاية عن حالة الأزمة، ولكن الإجراءات الحاسمة فقط هي التي يمكن أن تؤدي إلى حلها. إن توحيد الشيوعيين الحقيقيين والمساعدة الأممية لإحياء الحركة الشيوعية ليس ممكنا فحسب، بل ضروريا للغاية. وفي ظل الظروف الحالية، تقف منظمتنا على:
- إقامة اتصالات مستقرة ومنتظمة بين الشيوعيين الفعليين من مختلف البلدان؛
- إنشاء عمل مشترك في مجال النظرية والتطبيق؛
- تطوير برنامج نظري موحد.
وتقوم بوليستورم بالفعل بهذا العمل مع عدد من المنظمات الشيوعية الخارجية. وندعو قرائنا إلى الانضمام إلى صفوفنا في النضال المشترك من أجل إحياء الحركة الشيوعية في روسيا وفي جميع أنحاء العالم.

2023-09-27