حول الفرق بين التنمية والنمو!
د. صلاح حزام.
كثيراً مايلاحظ الخلط بين مفهوم التنمية ومفهوم النمو من قبل بعض الكتّاب او المعلقين والمحللين.
التنمية ( Development) هي عملية مقصودة يتدخل طرف خارجي لإحداثها ( الدولة عادة)
من اجل تحقيق جملة من التغييرات المرغوبة والمخططة في البنية الاقتصادية والاجتماعية في البلد.
انها تشبه القول : تغذية الطفل.. حيث انها تتم من قبل طرف مسؤول ( تكون الأم عادة) يقدم الغذاء للطفل من حيث النوع والكم والتوقيت بما يتلائم مع حاجته.
وحتى لو كان الطفل قادراً على تناول الطعام بنفسه فأنه قد يأكل ما هو ضار او قد يتجنب ماهو مفيد .. الخ.
وبذلك يصبح الحديث عن التنمية بلا معنى دون وجود خطط تنمية لفترات مختلفة تستهدف إحداث جملة من الاهداف التي تعتبر اساسية من وجهة نظر واضعي الخطة.
الخطة هي توظيف منهجي للموارد المتاحة للوصول الى الاهداف المطلوبة ضمن فترة زمنية معينة.
اما النمو ( growth ) فأنه عملية تلقائية تحدث ضمن السياقات السائدة
التي تحددها البيئة المحيطة.
في مثالنا السابق عن تغذية الطفل، الطفل اذا تُركَ يتناول طعامه بمفرده ، فأنه قد يأكل المزيد من الحلوى مما يزيد من وزنه ويجعله ينمو ، ولكن نموه قد يكون مشوهاً اذ قد يصاب بالبدانة ويزداد وزن بعض اعضاء جسمه وتصعب عليه الحركة. لكنه مع ذلك حقق نموا بمعنى زيادة وزنه!!
نفس الشيء ينطبق على الاقتصاد الوطني ، حيث قد تنمو فيه قطاعات معينة غير اساسية على حساب قطاعات اساسية.
قد يزدادحجم الناتج المحلي الاجمالي نتيجة نمو قطاعات معينة مما يعني تشوهاً في هيكل الاقتصاد وغياب للتنويع الاقتصادي..
في الدول المتقدمة ، وفي المانيا وبريطانيا تحديداً، اكتملت عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية عام ١٨٧٤ .
وقد تم اعتبار التنمية مكتملة بالنظر الى جملة عناصر :
– استقرار ووضوح النظام الاقتصادي الذي هو اقتصاد السوق ، واكتمال مؤسساته المصاحبة.
– نضج واستقرار النظام السياسي الذي هو النظام الديمقراطي.
– نضج واكتمال البنية التشريعية والقضائية من حيث القوانين والمؤسسات.
– اكتمال البنية التحتية للاقتصاد الوطني ( طرق موانيء اتصالات وشبكات نقل … الخ).
– اكتمال وتطور النظام التعليمي
– تطور النظام الصحي
– نضج واتساع مؤسسات المجتمع المدني والحياة السياسية وانتشار الوعي الثقافي ووجود مؤسسات تقدم المنتجات الثقافية للمجتمع.
أخيراً، قد يتسائل شخص عن كيفية انجاز التنمية في الدول المتقدمة وهل كانت الدول فيها تضع خططاً خمسية للتنمية ، مثلاً؟
طبعاً تلك الدول حققت التنمية في ظل ظرف تاريخي كانت فيه تقود العالم وكانت مركزاً للتقدم العلمي والفكري وكانت لديها مستعمرات كثيرة توفر لها المواد الاولية الرخيصة والاسواق ،وكان رجال الاعمال الافراد والشركات هم من يتولى الاستثمار
وتأسيس المشاريع ، ولكن الدولة كانت
تتدخل لتحفيزهم ودفعهم للنشاط في المجالات المطلوبة من خلال سياساتها المالية والنقدية وسياسة الحماية والاعفاءات.
كذلك فان الدولة كانت تقوم بنفسها بالانفاق على تطوير الكثير من المجالات مثل الطرق والجسور والتعليم والصحة والتدريب والبحث العلمي .. الخ
وكانت تتولى اقامة بعض المشاريع الاساسية التي لايرغب القطاع الخاص بالاستثمار فيها ، كالسكك الحديد والمناجم.
الدول النامية المعاصرة ليست لديها نفس امكانيات وظروف الدولة الرأسمالية الاستعمارية في القرن التاسع عشر وماقبله، لذلك تقع عليها مسؤولية قيادة عملية التنمية.
2020-06-15