حنا بطاطو : العراق . الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية . !
عرض : علي رهيف الربيعي ( الحلقة 9 )
نظام عارف .
بعد سقوط قاسم تركزت خيوط الحكم الرئيسية كلها تقريبا في يد حزب البعث ، الذي ولج الطريق ” القاتل ” إلى حكم الحزب الواحد وكرس الشقاق مع الناصريين في العراق ومع نظام عبد الناصر ، الأمر الذي أضعف حكمه وجعل الرياح تهب في صالح عبد السلام عارف الذي قام بإنقلابه ، في ١٨ تشرين الثاني ١٩٦٣ ، بالتنسيق مع شقيقه عبد الرحمن عارف وعدد من الضباط بمن فيهم بعض الضباط البعثيين .
في البداية كان مزاج قيادة الحزب الشيوعي معاديا لعارف بلا تردد ، على أساس أن نضامه ” ديكتاتورية عسكرية رجعية ” ، غير أن توقف العمليات العسكرية ضد الأكراد في شباط ١٩٦٤ ، وتعمق الروابط بين القاهرة وموسكو ، وإطلاق سراح الشيوعيين المصريين ، والتوجه الناصري نحو بغداد ، وتأميم المصارف وشركات التأمين والمؤسسات الصناعية والتجارية الكبرى ، كل هذه الأمور دعت الشيوعيين إلى تغير طريقهم والتحول نحو نظام عارف ، وهو ما تأكد في اجتماع آب ١٩٦٤ للجنة المركزية ، الذي اعتبر أن الثورة المصرية انتقلت إلى مرحلة التحولات الاجتماعية الهامة وبدأت السير على ” طريق التطور اللارأسمالي وباتجاه الاشتراكية ” . وانتقد المواقف ” الانعزالية ” السابقة تجاه رافعي شعار الوحدة العربية ، وصار الحزب ، منذ ذلك التاريخ يميز داخل نظام عارف بين تيارين متضاربين ، واحد ” رجعي ” وآخر ناصري تقدمي ، وكانت النتيجة أن تخلى الحزب عن الطريق المؤدية إلى الاستيلاء على السلطة ، معتبرا أن هناك قوى أخرى صارت تتبنى ، تدريجيا ، أهداف الحزب . وانتخب الاجتماع لجنة مركزية جديدة ورفع العامل الكردي السني عزيز محمد إلى سكرتارية الحزب ، وهو ما عكس قوة الفرع الكردي للحزب وتوجهه نحو العمال والكادحين الآخرين . غير أن ” خط آب ” ، الذي أثار استنكارا شديدا في صفوف القاعدة الشيوعية ، لم يستمر طويلا ، ولا سيما بعد استئناف الحرب ضد الأكراد في نيسان ١٩٦٥ وخيبة أمل الناصريين أنفسهم في عارف ( الكتاب الثالث ، ص ٣٥٠ -٣٥٨ ) .
وتصاعدت معارضة الحزب الشيوعي للنظام ، بعد أن خلف عبد الرحمن عارف رئيس الأركان بالوكالة ، في ١٦ نيسان ١٩٦٦ ، شقيقه في منصب رئيس الجمهورية ، خصوصا وأن الحكومة في عهده أصبحت ألعوبة ، أكثر مما كانت في السابق ، في أيدي مجموعات الضباط . وفي شباط ١٩٦٧ ، اتخذت اللجنة المركزية للحزب قرارا بتشكيل وحدات صغيرة مسلحة لخوض حرب أنصار محدودة ضد النظام ، إلا أن ذلك القرار بقى حبرا على ورق ، وتبين أن قيادة الحزب قد أرادت ، ” بشغلها موقع اليسار ” ، امتصاص ضغط القاعدة وتجنب انشقاق خطير ، وهو الانشقاق الذي وقع بالفعل في ١٧ إيلول ١٩٦٧ ، بعد أن كانت الهزيمة التي نجمت عن حرب حزيران قد جعلت التناقضات الداخلية أكثر عمقا ، حيث أعلن رسميا عن تشكيل منظمة شيوعية مستقلة باسم ” الحزب الشيوعي العراقي – القيادة المركزية ” ، انتخبت مكتبا سياسيا من خمسة أعضاء وسكرتيرا هو عزيز الحاج ، الذي كان قد عاد إلى بغداد في كانون الثاني ١٩٦٧ وكلف بالإشراف هلى منظمة بغداد قبل أن يرتقي ، في شباط ، ليصبح عضوا في المكتب السياسي . واتخذ الحزب الجديد مواقف متمايزة من كل المسائل الأساسية التي انقسمت كوادر الحزب حولها ، حيث تبنى الدعوة إلى ” العنف الثوري المنظم ” وإقامة ” نظام ثوري شعبي ديمقراطي بقيادة الطبقة العاملة ” وأعلن وقوفه إلى جانب ” وحدة عربية ثورية ذات محتوى اشتراكي ” وأدان قرارات هيئة الأمم المتحدة الخاصة بقضية فلسطين ، ودعا إلى القضاء على ” الدولة الصهيونية العنصرية ” . وردا على الانقسام ، انعقد الكونفرنس الوطني الثالث للحزب في كانون الأول ١٩٦٧ ، فأدان ” المنشقين ” وأكد الحاجة إلى قيام ” تغيرات جذرية ” ، وخصوصا في مصر وسورية ، باتجاه ” الشعب الكادح وقواه السياسية الثورية ” والعمل على إقامة ” جبهات ديمقراطية متحدة ” تفتح الطريق أمام قيام ” أنظمة ثورية ديمقراطية شعبية في المستقبل ” ، وهو ما ينطبق بالمثل على العراق ، وانتقد الكونفرنس ” النظام الديكتاتوري ” في العراق ل ” تبديد ” قوة الجيش في ” أعمال عدوانية متكررة ضد الشعب الكردي ” و ” المساومة على المصالح الوطنية ” ، وأعاد تأكيد تضامنه الايديولوجي مع السوفيت ، ولكن يظهر أن هؤلاء الأخيرين لم يكونوا سعداء بهجوم الكونفرنس على النظام العراقي ، وهو ما تجلى بتوقف إذاعة ” صوت الشعب العراقي ” عن البث من أوربا الشرقية ، في ٢٧ شباط ١٩٦٨ ، أي بعد اسبوع واحد على إعلان قرارات الكونفرنس ( المصدر نفسه ، ص ٣٨٦-٢٨٧ ) .
يتبع
2019-09-29