حكاية الجبهة الشعبية…!
د.سعيد ذياب
في الذكرى ٥٨ لتاسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين،تبادر الى ذهني سؤال هل للجبهة الشعبية حكاية؟ كان جوابي لذاتي نعم فالحكاية ليست مجرد رواية احداث هي طريقة لرؤية الواقع،هي محاولة لاعطاء الاحداث معنى وترك بصمة. الحكاية تشكيل للوعي،وهل هناك حكاية اوضح من حكاية الجبهة التى تركت بصمتها عبر الزمن؟
حكاية الجبهة لم تبدا في ١١ كانون اول عام ١٩٦٧،فهي ليست مجرد فصيل فلسطيني مقاوم فحسب،هي تيار وتراث نضالي كانت بدايتة في خمسينات القرن الماضي،عبر حركة القوميين العرب ،هذه الحركة التي امتد حضورها على اتساع الجغرافيا العربية،الامر الذي وفر لها هذا الامتداد الجغرافي حاضنة شعبية عربية واسعة واطارا واسعا من القوى الثورية العالمية.
ان حركة القوميين العرب وما كانت تعيشه من حوارات وارهاصات لتطوير اشكال النضال،شكلت الرحم الذي ولدت منه الجبهة.،التي عاشت بدورها بعد الولادة تحولا فكريا وسياسيا لا يقل عما عاشته الحركة،حول منطلقاتها وحول مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية.
ومما يلفت النظر في حكاية الجبهة ان النكبة الفلسطينية عام ٤٨ وقيام الكيان الصهيوني وتشريد الفلسطينيين في كافة ارجاء الارض،وهزيمة ٦٧ واحتلال اسرائيل سيناء والجولان وبقية التراب الوطني الفلسطيني،تركا بصمة قوية في نشاة الحركة والجبهة الشعبية لاحقا.
هذا الترابط بين النشاة وهزيمة الانظمة العربية وعجزها عن المواجهة هو الذي افسح المجال لصعود تيارات يسارية لتتصدر المرحلةوالاستعداد لتحمل تبعات تلك المرحلة،
وفر الالتزام بالفكر الماركسي الاساس الاعمق لفهم طبيعة وجوهر المشروع الصهيوني من جهة وفهم عميق لدلالة المقاومة للاحتلال بانها ليست مجرد رد فعل عسكري فحسب،بل هي منظومة متكاملة اخلاقية وتاريخيةتبرر حق الشعوب ومشروعيتها في التحرر وحقها في تحديد اشكالها واداواتها وحدودها.
انطلقت الجبهة في فهمهاللمقاومة من مبدا الحرية الانسانية وان الانسان ولد حرا ولا يحق لاي قوة ان تصادر حريتة وتفرض السيادة عليه،وله الحق في الدفاح عن نفسه ورفض الاذعان للظلم.
وهنا تبرز كذلك حكايتها من خلال تاكيدها على ان المقاومة لا تقف عند حدود التحرر الوطني بل تستمر لاستكمال دورها بانجاز التحرر الاجتماعي وتوفير العدالة وانهاء كل اشكال المظلومية.
لقد ادركت الجبهة مبكرا محاولات البرجوازية وسعيها لاستخدام المقاومة كمشروع للوصول للسلطة وليس لتحرير الوطن.
فهمت الجبهة عميقا طبيعة المشروع الصهيوني كمشروع استعماري استيطاني احلالي ينتمي الى نمط استعماري غربي قائم على فكرة تشكيل مجتمع جديد على حساب السكان الاصليين كما حصل في امريكيا واستراليا.
ولعل فهمها لطبيعة المشروع الصهيوني،باعتباره جزء من استراتيجية القوى الغربيةللسيطرة على الشرق الاوسط.هذا.العدو الذي استخدم كل الوسائل،القتل والجرائم وتهويد الارض والعمل والدين كعنصرتعبئه من اجل الوصول الى سردية تاريخية مزيفة على حساب حاضر وماضي وسردية الشعب الفلسطيني.هذه الرؤية وهذا الفهم حصن الجبهة من تسلل الوهم بامكانية صنع سلام مع هذا الكيان وهذا هو الركن الاخر لحكاية الجبهة.
هذا الفهم للمشروع الصهيوني واهدافة التوسعية دفع الجبهة الى تبني فكرة ان التحرير لا يقع على عاتق الشعب الفلسطيني فحسب بل من خلال مشروع عربي تحرري،،ووحدة قوى المقاومة العربية،ولعل ايلاء الجبهة الاهتمام الكبير لاهمية محور المقاومة ودلالتة الكفاحية اكبر دليل على هذا الركن من حكاية الجهة الشعبية.
انها حكاية مستمرة جسدتها الجبهة في مشاركتها رفاق السلاح في مواجهة حرب الابادة في غزة،وفي نضالها في الضفة الغربية وفي مشاركتها في حرب الاسناد في لبنان وما قدمتة من شهداء وفي مقدمتهم الشهيد نضال عبد العال وابو خليل وشاح والرفيق عماد.
في حكاية الجبهة وذكراها ننحني اجلال للشهداء الذين شيدوا الحكاية المستمرة مدماكا فوق مدماك ،الحكيم وابو علي .
الجبهة وبالرغم من التراجع في بعض ادوارها ستبقي امينة لمن صاغوا حكايتها منذ النشاة ومستمرة عند الثقة التي توليها القوى التقدمية العربيةلها
وستبقى امينة لتطلعات شعبنا مهما كانت التضحيات.
2025-12-12