حروبنا.. حروب دول الجنوب!
علي عباس
حينما يقرأ اي متابع الدراسات التي تتحدث عمّا ينتظره الاقتصاد العالمي عام 2024، سوف يصاب بالذهول عن كم التشاؤم الذي قيل عن اقتصاديات العالم المتقدم، ليس بسبب الكوارث الطبيعية التي تهدد عالمنا الذي يقف استهلاك الوقود الاحفوري على راس اسبابها، وما يشكله من تهديد لوجود عالمنا الراهن، وهو الامر الذي يتحدث عنه خبراء البيئة، ويصرحون بمناسبة وبلا مناسبة أن الارض تجاوزت الخطوط البيئية المرسومة. ما نحن فيه من أزمة وجود وتهديد بالفناء
إن الامر الراهن لا يتعلق بما نحن فيه من أزمة وجود وتهديد بالفناء. بل بما بنتظر الاقتصاد العالمي من أزمة طاحنة. يتحدث عنها الخبراء الاقتصاديون وأهل المعرفة، وما تخفيه من تكهنات سياسية خطيرة على بلدان الجنوب.
وعلى ذكر الوقود الاحفوري، يغفل الجميع ان استهلاك الوقود الاحفوري هو استهلاك رأسمالي، أي ان مخاطر كوكبنا رسمتها الاطماع والجشع الرأسمالي في الغرب وبعض بلدان آسيا مثل الصين واليابان. كما أن هذه البلدان لا تريد ان تتوقف عن تدمير الكرة الارضية تحت هيمنة الجشع الراسمالي.
وبعيدا عن الوقود الاحفوري، إن ما نريد ان نوضحه هنا هو مايجب على دول الجنوب او العالم الثالث او الدول الفقيرة صاحبة الثروات الهائلة ان تتخذه من استعدادات لمواجهة أزمات الرأسمالية في البلدان المتقدمة في العام القادم. اي بعد 3 اشهر من الآن.
فالراسمالية الامبريالية العالمية حين تشتد ازماتها الاقتصادية، التي تتميز غالباً بالركود او الانكماش تلجأ إلى معالجة فورية، لكي تبقى اقتصادياتها المؤثرة عالميا في حالة من الازدهار والتقدم، ضمن حبز المنافسة الدولية على الاسواق العالمية والطاقة.
ولا تجد الراسمالية الامبريالية حلولا سهلة لمعالجاته في المجالات الاقتصادية والسلمية، فهي عادة، وهذا غالباً يحدث منذ نشوء العدوان الاستعماري، تلجأ الى الحروب، ولقد عُرف بشكل واسع ان الحرب هي الاداة الناجحة والسهلة لمعالجة الانكماش والركود. فالحرب تعمل على تشغيل التبادل العالمي، وتنشيط حركة النقل ، فضلاً عن تنشيط المصارف الدولية وحركة الامدادات عموماً، هذا من جانب. ومن جانب آخر تنشط مصانع السلاح والمصانع الداعمة لانتاج السلاح مثل الحديد والصلب ومعامل الانتاج الالكتروني اضافة الى اعادة تشغيل المصانع التي تنتج المؤن والعتاد وما إإليه. حيث تعود الآلة الراسمالية الى العمل من جديد وبقوة تغذيها الدماء التي تسفك بعيداً عن أراضيها.
اين تقع الحروب التي تعيد تنشيط الجشع الرأسمالي الذي تقوده اليوم أمريكا؟
عادة تستهلك حروب العالم الثالث او دول الجنوب هذا المنتج الهائل من الاسلحة وتبعث الحياة في حركة الامدادات، فيما هي تشق في بلادها، انهارا من الدم، فضلا عن اغراقها بالقروض التي تقدمها البنوك الدولية الكبرى بشروط وفوائد مجحفة واستغلالية كبيرة، خصوصاً صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية ونادي باريس فضلا عن البنوك المركزية في العواصم الغربية.
وهذا الامر لايأتي بيسر بل تقوم الدول الرأسمالية الامبريالية بالتدخل عبر وسائلها القذرة لصنع هذه الحروب، ويقوم اعلامها المخرب عادة، وهي سياسة متبعة ببشكل واسع، بالدس عبر استغلال فشل الحكومات، ثم تشغّل الأيادي القذرة في الداخل، لعمليات التخريب واشاعة الفوضى.
وفي الحقيقة ان هذه السياسة لم تكن ناجحة بشكل واسع فيما مضى وبالكاد تنجح هذه الاساليب لان الحركات الوطنية كانت باسلة وشجاعة وقادرة على المواجهة بشتى الوسائل. اما اليوم فان منظمات االمجتمع المدني اخذت تسطو على مواقع الحركة الوطنية وصارت تتحدث نيابة عن الناس، وبدعم محلي ودولي، وفي بنيتها قوة تجسسية مخرِّبة.
ان هذه الحروب صارت تحدث في عالمنا بصرف النظر عن موقع هذه الحروب ان كانت حروبا داخلية او حروباً مع البلدان الاخرى، خصوصا البلدان المتجاورة. فكل ازمة ركود غربية تتطلب حربا او حروباً لكي يتجاوزها الجشع الرأسمالي الدولي ازمته، وليحقق انتعاشا لاستغلاله الهمجي.
واليوم، بما ان التكهنات التي اطلقتها الدراسات الاقتصادية المتخصصة كانت متشائمة لعام 2024، ولم يحدث ان تحدث الخبراء والمتخصصون عن فرص انتعاش، فلابد والحال هذه من نكون نحن في بلدان الجنوب البائس على أهبة الاستعداد لمواجهة الهجمة الامبريالية العدوانية القادمة حينما يهندسها الراسمال العالمي الجشع ضدنا. فإن الراسمالية الامبريالية ان لم تصنع حربا لتجعلنا نتحارب فيما بيننا، فانها مستعدة دوماً لغزو بلداننا بذرائع لاصلة لها بالحق او بالحقيقة.
فهل يمكن بلداننا ان تتستعد لسيناريوهات الازمات الرأسمالية الامبريالية هذه؟
2023-10-02