حركة الجمهورية الأردنية
أولاً: المنطلقات
جمال الطاهات
المبررات والدوافع
حركة الجمهورية الأردنية ليست الأولى التي تطالب بتغيير النظام، وهي تمثل امتداداً موضوعياً للعديد من الحركات التي بدأت منذ تأسيس إمارة الشرق العربي في مؤتمر امكيس عام 1920. حيث مثلت تلك اللحظة موقفاً شعبياً موحداً في مواجهة ميراث المرحلة العثمانية، والتصدي المباشر للاستعمار البريطاني والفرنسي. فبادرت القيادات الشعبية الأردنية، ونخبه السياسية والفكرية بتقديم مشروع الدولة لحماية الأرض والإنسان من شرور الاستعمار. وتبلورت فكرة الدولة على أساس احترام مصالح الشعب الأردني، وأنه هو السيد على أرضه، ولا إرادة تعلو فوق إرادته، باعتبارها مضمون للاستقلال، وأيضاً شرطاً ضرورياً للتقدم وبناء دولة حديثة.
ولكن ما هي إلا أشهر، حتى قامت بريطانيا باستئجار عبد الله الأول، وتعيينه بشكل مؤقت لإجهاض مشروع الدولة والهيمنة عليه. وبعد أقل من ثلاث سنوات على بدء الخديعة، قام عبد الله الأول، بمساعدة القوات البريطانية بضرب الشعب الأردني، فقتل العشرات من أحرار البلاد، وطارد الآلاف بحملات عسكرية، في طول البلاد وعرضها، لتصفية الحركة الشعبية، ولسرقة الدولة الحديثة من شعبها. فأصدر مجموعة من المراسيم التي فرضت هيمنته كوكيل للاستعمار البريطاني، وصادرت الإرادة الشعبية عبر تصفية المضمون السياسي للتشكيلات والهيئات الاجتماعية السياسية، مثل مراسيم أميرية لتصفية البلديات وفرض ضريبة الراس وضريبة المواشي عام 1925، وقانون منع الجرائم عام 1927.
وسعى لتكريس هيمنته على الشعب والدولة عبر ألاعيب خداع سياسي، بدأها حين فرضت عصبة الأمم على الدول المنتدبة العمل على تطوير البنية الدستورية والمؤسسية للشعوب الواقعة تحت الهيمنة. فقدم الشعب الأردني ونخبه تنازل استثنائي عام 1928، بالاعتراف بعبد الله الأول. وبدل أن يؤدي ذلك إلى تشكيل مناخ سياسي جديد، تمادى النظام في عمالته، وقام ببيع الأراضي وتأجيرها للوكالة الصهيونية في فلسطين. وجاءت احداث عام 1933، والاحتجاجات الشعبية ضد ممارسات عبد الله الأول، لتشكيل أول انتفاضة شعبية ضد ممارساته. ولكنها بقيت حركة احتجاج لا ترقى لمستوى تطوير منظومة بديلة للحكم. وانتهت بحملة اخضاع للعديد من القيادات المحلية، بما في ذلك استعراض عبد الله الأول لقوته وسعيه لإهانة القيادات المحلية بشكل علني. كما حصل مع محمد علي القيم الجراح.
لم تتوقف الحركات الشعبية التي تطالب باستعادة الدولة من الاستعمار البريطاني ووكيله عبد الله الأول. وربما أبرزها في تلك المرحلة حركة الشباب الاحرار التي أعلنت عن نفسها بعيد الحرب العالمية الثانية بمطلب واضح وهو انهاء ممارسات عائلة عبد الله الأول ودورها في نهب آثار البلاد. كما رفضوا الانتخاب على مرحلتين، كما كان يصر عبد الله الأول، وطالبوا بالانتخاب المباشر للبرلمان، وتقدموا بمضامين الملكية الدستورية بأن تكون لدى من يتولى السلطة التنفيذية صفة تمثيلية، او أن يكون مفوضاً من جهة تمثيلية، وأن تخضع السلطة التنفيذية لرقابة البرلمان.
سعى عبد الله الأول لأخذ الشباب وممثليهم بالخديعة، فاجتمع بهم في قصر المشتى ووعدهم بأنهم حتى إذا أرادوها “جمهورية، فلتكن جمهورية… ولا حول ولا قوة إلا بالله”. ولكنه كان يتحدث بلسان الخديعة. فهذه العائلة، وليس فقد عبد الله الأول وعبد الله الثاني، احترفوا الخداع وامتهنوا التحدث بكلام لا يقيمون له وزناً، ويتصرفون بشكل مناقض لأقوالهم.
في ذات الليلة التي جرى في اللقاء، بدأت حملة شرسة لملاحقة تنظيم الشباب الأحرار، وهم بضع عشرات. فتم سجن العديد منهم، وتشتيتهم في المنافي، مثل ضيف الله الحمود الخصاونة، وفضل الدلقموني، وشفيق ارشيدات، وغيرهم… ودفع بعض المثقفين والقادة السياسيين مثل صبحي أبو غنيمة للخروج من الأردن.
نجاح النظام محاصرة الحركة الشعبية
منذ مؤتمر امكيس، لم تتمكن حركة شعبية أردنية من طرح مشروع تحرر وطني استناداً إلى برنامج محلي واضح. فبعد هزيمة عام 1948، وانتشار الأيديولوجيا وهيمنتها على المشهد السياسي في المنطقة، دخلت حركات التحرر الوطني الأردني بذات السياق. ففي مذكرات المرحوم ضافي الجمعاني، وهو ما نشره في حياته، وأيده بما ذهب إليه العديد ممن عاصروه وشاركوه في تجربة الخمسينيات، أنهم كانوا قادرين على الاستيلاء على الحكم، لكنهم واجهوا سؤال حاد، وهو غياب مشروع وطني متماسك يقدم إجابات موضوعية على أسئلة الدولة. وانتهت تجربة الديمقراطية بأن انقلب عليها وريث الخداع، بعد أشهر من تدشينها.
ومنذ ذلك التاريخ، وقعت الحركات الشعبية الأردنية بين قطبين: قطب أيديولوجي يرفض قراءة تجربة الخمسينيات بالعين النقدية التي عبر عنها الجمعاني وغيره، وحركة شعبية تراوح ما بين المطلبية والاحتجاجية الاعتراضية. وتمددت ألسنة النظام وأنيابه وسمومه. واستمر الفساد والنهب. كما استمرت الممارسات القمعية ضد نشطاء الشعب الأردني ونخبه السياسية والفكرية، لمنع تشكل حركة ثورية وطنية أردنية ذات برنامج وطني واضح تمتلك القدرة على تقديم إجابات واضحة على أسئلة الدولة، وتحدياتها.
الحراك والربيع العربي
كانت هناك محاولات سبقت الربيع العربي، تمثلت في حركة الملكية الدستورية، وبعض الحركات المشابهة لها في المضمون. ولكنها بقيت عاجزة عن بناء كتلة وازنة، وتحقيق الحجم الحرج في التوازن السياسي. تجاهل النظام تلك الحركات وحاول تفكيكها بالوسائل الخبيثة التي اعتمدها على مدى عقود.
مع الربيع العربي، نشأ الحراك الشعبي، وبدأ يكتسب زخماً واضحاً. فتمسك منذ البدايات بروح سلمية واضحة، وخطاب تصالحي. وكانت دعوته لعبد الله الثاني في آب من عام 2011، ليكون جزءاً من الحل. وعلى سنة سلفه، اعتمد الحفيد عبد الله الثاني الخداع والكذب والتسويف. فتقدم بمبادرات ووعود واوراق نقاشية للتحول السياسي، ولكنه كان يتحين الفرصة للانقضاض على الحراك الشعبي للبطش به وتفكيكه.
جاءت هبة تشرين التي رفعت شعار اسقاط النظام، وهتف الحراكيون في العشرات من المناطق كما أهل ذيبان “من بلدتنا الأبية … نعلنها جمهورية”. ولكنها كانت اندفاعة سابقة لنضج المشروع السياسي، لم تلبث ان انكفأت لذات السبب الذي تحدث عنه ضافي الجمعاني في وصف تجربة خمسينيات القرن الماضي.
وأصبح من الضروري البحث عن صيغة تستطيع أن تصل إلى الحجم الحرج لتفكيك بنية الاستبداد والفساد من جهة، وتحول القرار الشعبي بإسقاط النظام وبناء الجمهورية إلى برنامج عملي، يعتمد على تصور بديل، ويقدم إجابات عملية واضحة لأسئلة الدولة في المرحلة القادمة.
ومنذ هبة تشرين عام 2012، قام المستبد الفاسد وعائلته بالبطش بالعديد من التجارب والمحاولات الحزبية التي تريد أن تكرس المطلب الشعبي ضمن البنية الراهنة للدولة. ولم تستطع أي جماعة أو مشروع حزب من تجاوز الحواجز التي فرضها المستبد الفاسد وعائلته لمنع تشكل مشروع سياسي وطني يستطيع أن يعيد الأمور إلى نصابها، ليتمكن الشعب من استرداد الدولة سلطة وموارد. فتم التنكيل بالجميع. فلم يسلم شخص مثل سفيان التل عمره قارب على التسعين من أن يتم سجنه لأنه فكر بتقديم خطاب سياسي بديل لخطاب المستبد الفاسد، وكشف زيف وادعاءات ملك يدعي بان لديه “رؤية تحديث سياسي واقتصادي”، بالرغم من تزايد معدلات البطالة بشكل مستمر منذ عقدين. إضافة إلى التراجع الرقمي لواقع الاقتصاد الوطني، بما في ذلك تراجع معدلات الدخل الفردي على مدى سنوات. إضافة إلى استمرار القمع وتكميم الأفواه، بما في ذلك التمسك بقانون منع الجرائم الذي فرضه جده مع الاستعمار البريطاني عام 1927، إضافة إلى قانون الجرائم الإلكترونية.
القطيعة الثورية
في تاريخ العلم كما في تاريخ السياسة، التطور الحقيقي يترافق مع (ويتطلب) احداث قطيعة حاسمة مع النظام السائد، بما في ذلك مكونه الأساسي. ومع حصاد السنين أصبح من الضروري أن تتشكل حركة وطنية أردنية تحدث قطيعة حاسمة مع الممارسات التي ترى أنه من الممكن أن يكون النظام شريكاً مستقبلياً للشعب الأردني.
فالعصابة الحاكمة في الأردن أقامت سلطتها على مصادرة إرادة الشعب وإذلاله ونهب موارده، وتحويله إلى مجاميع من المتسولين للمكارم من المستبدين اللصوص. إذ يعتقد جيل الأحفاد، عبد الله الثاني، وأبناء وبنات عمومته بأن هذه الدولة لهم، وأن الشعب الأردني لا قيمة له إلا أن يكون في خدمتهم، وأنهم يتفضلون بما يقدمونه للشعب من مكارم. فاستبد النظام ونهب وفسد وأفسد، وأصبح عاجزاً عن التغير، فالاستبداد والفساد لعنة تصيب من يمارسها وتمنعه من التطور والتحرر منهما، وتحكم عليه بأن يواجه الموت مسحولاً ومرمياً في مزابل التاريخ. فتراكم عقود من الاستبداد والفساد، أفقد النظام قدرته على التطور. ولم يعد بإمكان العصابة الحاكمة، ولا أي من مكوناتها، أن تكون جزءاً من أي مشروع للإصلاح.
وكرست التجارب البرلمانية الأخيرة، بما فيها سجن البرلمانيين وملاحقتهم لأنهم أبدوا رأياً، وكذلك محاصرة الأحزاب ومحاولة فرض صيغة كاريكاتيرية على المشهد السياسي الوطني، موقفاً حاسماً بأنه لا وجود لحلول وسط مع المستبد الفاسد وعائلته، ولا بد من التخلص منهم (قلم قايم)، وذلك شرط حتى يسترد الشعب دولته التي سرقها عبد الله الأول بمساعدة الاستعمار البريطاني والوكالة اليهودية.
فجاءت حركة الجمهورية الأردنية لتكريس موقف القطيعة مع النظام، ولإنقاذ الشعب من التعرض للمزيد من الخداع، وأيضاً لشحذ الهمم لتقديم إجابات عملية وفعالة على أسئلة وتحديات الدولة، حتى لا تتكرر المأساة التي حصلت في العديد من المراحل الماضية. إحداث القطيعة مع النظام شرط لاعتراض أي محاولة لوريث التآمر والخداع. خيارنا واضح، لن نسمح له أن يخدعنا مرة أخرى، كما تم خداع آباءنا واجدادنا.
كما أن حركة الجمهورية التي تؤمن بأنها ليست بديلاً عن الشعب، ولا تقوم بالثورة وبناء الجمهورية بمعزل عن الشعب ولا نيابة عنه، بل هي مبادرة لتنظيم قوى الشعب، وهي رافعة وحاضنة، لتنظيم جهود الآلاف من أبناء شعبنا لتحويل وعود الجمهورية إلى برامج عملية واضحة وقابلة للتطبيق في كافة القطاعات. فمشروع الجمهورية له ركنان التخلص من المستبد الفاسد وعائلته، ثم تحرير كافة القطاعات وضمان استقلال الضمير المهني لكافة مؤسسات الدولة. وللحديث بقية لتوضيح المآلات وهي الركن الثاني للجمهورية.
2026-02-03