حرب الرقائق الإلكترونية!
رنا علوان
من وادي السيليكون في الولايات المتحدة الأميركية ، نشبت الحرب الجديدة ، وكما اطلق عليها بعض النافذين في مواقع القرار الأمني والعسكري في إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما [ الحرب النظيفة ]
كونه لا توجد فيها أسلحة وجنود ، وهدفها هو السيطرة على تلك الرقائق الإلكترونية ، لكن( إن لزم الأمر ) فستصبح كل الوسائل متاحة فيها للوصول إلى هذا الهدف
إن غياب قطعة واحدة من هذه الرقائق في تصنيع سيارة ما قد يوقف خطّ إنتاج بالكامل
فهي عبارة عن قطعة صغيرة الحجم تُستخدم لتشغيل كل السلع الإلكترونية الحديثة ، وعلى رأسها صناعة الأجهزة الإلكترونية ، كالهواتف النقالة وغيرها ، وفقدانها هذا قد يُعيدنا الى سنوات خلت من التطور التكنولوجي
لذا فإنّ شدّة الطلب العالمي عليها من قبل الشركات العملاقة ، قد تدفع شركات دول العالم الكبرى إلى اللجوء للخيار العسكري ، بسبب الخسائر المادية والمعنوية التي تتكبّدها نتيجة فقدانها
في عام 1974 بدأت صناعة أشباه الموصلات في تايوان ، وفي 1976 أقنعت الحكومة شركة “آر سي إيه” (RCA) الأميركية ، التي كانت شركة إلكترونيات رئيسية في أميركا ، بنقل تكنولوجيا أشباه الموصلات إليها
وفي عام 1987 تأسست شركة “TSMC” وامتلكت الريادة في نموذج تصميم وبيع رقائق ومعدات أشباه الموصلات ، حيث تطورت صناعتها إلى الريادة العالمية في 2002 مع تشغيل 40 مصنعاً لتصميم وتصنيع أشباه الموصلات
وفي عام 2007 تفوقت صناعة أشباه الموصلات في تايوان على الولايات المتحدة
أما في 2010 أصبحت تايوان تملك أكبر حصة على مستوى العالم من قدرات تصنيع الرقائق بدقة 300 نانومتر ، و90 نانومترا ، و60 نانومترا ، وأصبحت لاحقا تهيمن على سوق التصنيع بتقنية 10 نانومترات ، كما هيأت نفسها لمرحلة الانتقال السلس إلى تصنيع بدقة 3 نانومترات ، وبهذا انتقلت من قوة إلى قوة ، في حين تأخر أقرانها ، حيث لا تمتلك إنتل بعد التكنولوجيا لإنتاج رقائق بتقنية 5 نانومترات وأقل ، كما لا تزال سامسونغ تكافح لتحسين إنتاجية الرقائق بدقة 4 نانومترات ، الجيل السابق
وبحلول عام 2020 كانت تايوان هي الدولة الرائدة التي لا ند لها في صناعة أشباه الموصلات العالمية ، مع استحواذ شركة “TSMC” وحدها على أكثر من 50% من حصة السوق العالمي ، رغم التحديات المستمرة من إنتل وسامسونغ
ولذلك فإنه ليس من المستغرب ، وفقا لتحليل “مجموعة بوسطن للاستشارات” (Boston Consulting Group)
أن الانقطاع لمدة عام واحد في توريد الرقائق التايوانية وحدها سيكلف شركات التكنولوجيا العالمية نحو 600 مليار دولار
تتحولُ التجارة سلاحاً في حرب معلنة
وفي هذا السياق أيضاً ، يمكننا موضعة وقراءة ما أصدره الرئيس الأميركي جو بايدن من قرارات ، في نهاية الأسبوع الأول من شهر أكتوبر (تشرين الأول) الجاري ، تتعلق بوضع ضوابط رقابية شديدة على تصدير منتجات التقنية العالية الأميركية إلى الصين ، في محاولة لمنع الصين من تحقيق طموحها في أن تكون دولة عظمى
وعلى رأسها وأهمها الرقائق الإلكترونية (Semiconductors-Chips) الضرورية في العديد من الصناعات المدنية والعسكرية عالية التقنية
ومن البديهي ان الصين لن تقف مكتوفة اليدين إزاء هذه الخطوة العدائية الأميركية ، من دون اللجوء إلى إجراء مماثل في القوة ومخالف في الاتجاه ، بمنع تصدير مواد خام ضرورية لعدد من الصناعات التقنية المهمة
المراقبون الغربيون يتفقون على أن قرارات الرئيس بايدن بمثابة إعلان حرب على الصين ، لذلك أطلقوا عليها اسم حرب الرقائق الإلكترونية
وقد بدت أهمية الرقائق الإلكترونية بشكل أكثر وضوحاً خلال ( أزمة توقف الإنتاج في مصانع السيارات الأوروبية ، بعد رفع حالة الإغلاق العام جراء انتشار وباء كورونا ) ، والسبب أن السيارات الحديثة تعتمد في تقنيتها على الرقائق الإلكترونية ، ونقص مخزونها من تلك الرقائق بسبب الجائحة أدت إلى إرباك المصانع ، وتوقف خطوط الإنتاج فيها
وما يؤكده الخبراء ان هذا التوجه الأميركي مؤخراً ليس اقتصادي الطابع ، بل توجه استراتيجي أمني وديمومي
المراقبون الغربيون يرون في هذا السياق ، أن سد المنافذ أمام الصين ومنعها من الحصول على ما تحتاجه صناعاتها من تقنية ، وخاصة تطوير صناعة الرقائق الإلكترونية محلياً، وعلى مسافة أقل من 100 ميل من تايوان ، التي تعد أكبر مركز في صناعة الرقائق ، سوف يجعل من تايوان هدفاً عسكرياً للصين أكثر من ذي قبل ، ويسرّع في عملية اجتياحها ، ( ويستشهدون بما حدث في عام 1940 عندما حظر الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت تصدير النفط والحديد الصلب إلى اليابان لمنعها من تطوير صناعاتها العسكرية وكان رد الفعل الياباني التحرك سريعاً واحتلال الدول التي يتوفر بها النفط والحديد )
كما وان الرئيس الأمريكي جو بايدن وقّع في أغسطس/ آب مشروع قانون تاريخي لتقديم منح بقيمة 52.7 مليار دولار لإنتاج وأبحاث أشباه الموصلات الأمريكية بالإضافة إلى ائتمان ضريبي لمصانع الرقائق تقدر قيمته بنحو 24 مليار دولار
وما ظهر للعلن من قبل البعض (إن بكين تهدف من خلال حزمة الحوافز إلى تكثيف الدعم لشركات الرقائق الصينية من أجل بناء أو توسعة أو تحديث المرافق المحلية للتصنيع والتجميع والتعبئة والبحث والتطوير)
وأضافوا أن أحدث خطط بكين تتضمن أيضا سياسات ضريبية تفضيلية لصناعة أشباه الموصلات في البلاد
بينما في المقابل ، قالت بعض المصادر (إن الصين تعمل على إعداد حزمة دعم تزيد قيمتها على تريليون يوان (143 مليار دولار) لصناعة أشباه الموصلات لديها ) ، في خطوة كبيرة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي من الرقائق ومواجهة التحركات الأمريكية التي تهدف إلى إبطاء تقدمها التكنولوجي
لكن يبقى السؤال ، هل نقل الحرب من الشرق الأوسط إلى المحيط الهادئ، وتحديداً إلى جنوب شرقي آسيا ، يهدف إلى فرض الهيمنة على مصادر هذه المواصلات ؟!
2023-01-05