استراتيجية تنويع الاقتصاد العراقي!
بقلم البرفيسور وليد الحيالي
لم يعد تنويع الاقتصاد العراقي خيارًا اقتصاديًا مؤجلًا، بل أصبح ضرورة وطنية تمسّ بقاء الدولة واستقرار المجتمع ومستقبل الأجيال القادمة. فقد أثبتت التجربة التاريخية منذ سبعينيات القرن الماضي أن الاعتماد شبه المطلق على النفط خلق اقتصادًا ريعيًا هشًّا، شديد الحساسية لتقلبات أسعار الطاقة، وضعيف القدرة على توليد فرص العمل المنتجة، وبعيدًا عن بناء قاعدة إنتاجية متوازنة.
إن خطورة الاقتصاد الريعي لا تكمن فقط في أن النفط مورد ناضب أو متقلب السعر، بل في أنه يعيد تشكيل بنية الدولة والمجتمع. فهو يجعل الدولة موزعًا للريع أكثر من كونها منظمًا للتنمية، ويجعل المواطن باحثًا عن الوظيفة العامة أكثر من كونه شريكًا في الإنتاج، ويضعف المبادرة الفردية والقطاع الخاص، ويُبقي الموازنة العامة أسيرة للأسواق العالمية وللقرارات الجيوسياسية خارج الحدود.
تشير تقديرات حديثة للبنك الدولي إلى أن النفط ما زال يشكل الحصة الغالبة من الاقتصاد العراقي، إذ قُدّر في عام 2025 بنحو 53% من الناتج المحلي الحقيقي، و88% من إيرادات الحكومة، و91% من صادرات السلع. وهذا يعني أن أي هبوط في أسعار النفط أو اضطراب في الإنتاج والتصدير يتحول سريعًا إلى أزمة مالية واجتماعية داخلية. كما يؤكد صندوق النقد الدولي أن تنمية القطاع الخاص وتنويع الاقتصاد ضروريان للاستدامة الخارجية طويلة الأجل وخلق فرص العمل، مع ضرورة ضبط فاتورة الأجور العامة وزيادة الإيرادات غير النفطية.
أولًا: تشخيص الخلل البنيوي
يعاني الاقتصاد العراقي من اختلالات متراكمة يمكن تلخيصها في خمسة أبعاد رئيسية.
الأول هو الاعتماد المفرط على النفط بوصفه المصدر الأساسي للإيرادات العامة والصادرات. وهذا الاعتماد يجعل التخطيط الاقتصادي قصير الأجل، ويربط الإنفاق الحكومي بسعر برميل النفط لا بحجم الإنتاج الحقيقي في الزراعة والصناعة والخدمات.
الثاني هو تضخم القطاع العام، حيث أصبحت الوظيفة الحكومية أداة للامتصاص الاجتماعي والتهدئة السياسية، لا جزءًا من جهاز إداري كفوء ومنتج. وقد حذر صندوق النقد الدولي من أن فاتورة أجور القطاع العام في العراق تمثل أحد أهم مصادر الضغط المالي، وأن ضبطها شرط للاستدامة المالية.
الثالث هو ضعف القطاع الخاص بسبب البيروقراطية، والفساد، وضعف الائتمان، وتردي البنى التحتية، وهي عوامل أشار إليها صندوق النقد الدولي بوصفها من أبرز معوقات النشاط الخاص في العراق.
الرابع هو تراجع القطاعات الإنتاجية التقليدية، ولا سيما الزراعة والصناعة التحويلية، رغم أن العراق يمتلك مقومات طبيعية وبشرية وموقعًا جغرافيًا يؤهله ليكون مركزًا إقليميًا للإنتاج والتجارة والخدمات.
أما الخامس فهو ضعف الإدارة الاقتصادية والتخطيط التنموي، إذ لا تزال السياسات العامة متفرقة بين وزارات ومؤسسات متعددة، من دون رؤية وطنية ملزمة ومتكاملة للتنويع الاقتصادي.
ثانيًا: مرتكزات استراتيجية التنويع
لا يمكن بناء اقتصاد متنوع بقرارات ظرفية أو مشاريع متناثرة، بل يحتاج العراق إلى استراتيجية وطنية طويلة الأمد، تُدار بعقلية الدولة التنموية، وتقوم على مجموعة مرتكزات مترابطة.
1. إصلاح المالية العامة
ينبغي إعادة هيكلة الموازنة العامة بحيث تنتقل من موازنة استهلاكية قائمة على الرواتب والتشغيل الإداري إلى موازنة تنموية قائمة على الاستثمار والإنتاج. ولا يعني ذلك المساس بحقوق الموظفين والفئات الضعيفة، بل يعني وقف التوسع غير المنتج في التوظيف الحكومي، وربط الإنفاق العام بالأولويات التنموية.
كما يجب إنشاء قاعدة مستقرة للإيرادات غير النفطية عبر إصلاح النظام الضريبي والكمركي، وتوسيع الوعاء الضريبي، وأتمتة الجباية، ومكافحة التهرب، من دون تحميل الفقراء أعباء إضافية. فالعدالة الضريبية يجب أن تكون جزءًا من العدالة الاجتماعية، لا أداة جباية عشوائية.
2. إحياء الزراعة والأمن الغذائي
يمتلك العراق تاريخًا زراعيًا عريقًا، لكن الزراعة تراجعت بسبب شح المياه، وتدهور شبكات الري، وضعف الدعم الفني، ومنافسة الاستيراد غير المنظم. لذلك ينبغي اعتماد سياسة زراعية حديثة تقوم على الري بالتنقيط والرش، واستصلاح الأراضي، ودعم المحاصيل الاستراتيجية، وتطوير الصناعات الغذائية المرتبطة بالإنتاج المحلي.
إن الأمن الغذائي ليس مسألة اقتصادية فقط، بل هو مسألة سيادة وطنية. فالدولة التي تستورد معظم غذائها تبقى معرضة للضغط الخارجي وتقلبات الأسعار العالمية.
3. بناء قاعدة صناعية تحويلية
لا يمكن للعراق أن يبقى مصدرًا للمواد الخام ومستوردًا للسلع المصنعة. المطلوب هو تطوير صناعات تحويلية مرتبطة بالموارد المحلية، مثل الصناعات البتروكيمياوية، والأسمدة، ومواد البناء، والصناعات الغذائية، والدوائية، والنسيجية.
كما يجب إعادة تأهيل الشركات العامة القابلة للحياة وفق معايير اقتصادية حديثة، لا عبر إبقائها عبئًا على الموازنة. ويمكن اعتماد صيغ الشراكة بين القطاعين العام والخاص، مع رقابة صارمة تمنع تحويل الخصخصة إلى نهب منظم للأصول العامة.
4. تطوير قطاع الطاقة خارج النفط الخام
يمتلك العراق فرصة كبيرة في استثمار الغاز المصاحب بدل حرقه، وتطوير الطاقة الشمسية، وتحسين كفاءة الكهرباء. فالطاقة ليست قطاعًا خدميًا فحسب، بل هي شرط أساسي لقيام الصناعة والزراعة والخدمات الحديثة.
إن إصلاح الكهرباء يجب أن ينتقل من منطق الترقيع إلى منطق المنظومة المتكاملة: إنتاج، نقل، توزيع، جباية، وترشيد استهلاك. ومن دون كهرباء مستقرة، ستبقى كل دعوات الاستثمار الصناعي محدودة الأثر.
5. تمكين القطاع الخاص المنتج
المقصود بالقطاع الخاص ليس اقتصاد المضاربة والعقارات والاستيراد السريع، بل القطاع المنتج القادر على خلق قيمة مضافة وفرص عمل. وهذا يتطلب إصلاح بيئة الأعمال، وتسهيل تسجيل الشركات، وتوفير التمويل، وحماية المستثمرين، ومكافحة الابتزاز الإداري والفساد.
كما ينبغي تطوير المصارف الحكومية والأهلية لتتحول من مؤسسات صيرفة تقليدية إلى أدوات تمويل تنموي، وخاصة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة. فهذه المشاريع هي القادرة على امتصاص البطالة، ولا سيما بين الشباب والخريجين.
6. الاستثمار في الإنسان
التنويع الاقتصادي يبدأ من التعليم. فلا زراعة حديثة ولا صناعة متقدمة ولا خدمات رقمية من دون قوى عاملة مؤهلة. لذلك يجب ربط التعليم بسوق العمل، وتطوير التعليم المهني والتقني، وإعادة النظر في مناهج الجامعات بما يخدم الاقتصاد المنتج.
إن العراق لا يعاني من نقص في الطاقات البشرية، بل من سوء توظيفها. والشباب العراقي، إذا توفرت له المهارة والتمويل والبيئة القانونية العادلة، قادر على أن يكون محركًا رئيسيًا للتغيير الاقتصادي.
7. الاقتصاد الرقمي والخدمات الحديثة
يمثل الاقتصاد الرقمي فرصة للعراق لتجاوز بعض عوائق الاقتصاد التقليدي. ويمكن تطوير قطاعات البرمجيات، والخدمات المالية الرقمية، والتجارة الإلكترونية، والتعليم الإلكتروني، والخدمات اللوجستية. لكن ذلك يتطلب بنية اتصالات قوية، وتشريعات حديثة، وحماية للبيانات، وتشجيعًا للشركات الناشئة.
كما أن الموقع الجغرافي للعراق يؤهله ليكون ممرًا تجاريًا ولوجستيًا بين الخليج وتركيا وإيران وسوريا والأردن، إذا أحسن إدارة الموانئ والطرق والسكك والمناطق الصناعية.
ثالثًا: شروط النجاح
إن استراتيجية التنويع لن تنجح من دون شروط سياسية ومؤسسية واضحة. أول هذه الشروط هو مكافحة الفساد، لأن الفساد يقتل الاستثمار ويشوه المنافسة ويحول المشاريع التنموية إلى غنائم. وثانيها هو سيادة القانون، فالمستثمر المحلي والأجنبي لا يحتاج إلى الوعود بقدر حاجته إلى قضاء عادل، وعقود محترمة، وإدارة مستقرة.
أما الشرط الثالث فهو الاستقرار السياسي والأمني، لأن رأس المال لا يعمل في بيئة مضطربة. والشرط الرابع هو التخطيط بعيد المدى، بحيث لا تتغير الأولويات التنموية بتغير الحكومات والوزراء.
وينبغي أن تُنشأ هيئة وطنية عليا للتنويع الاقتصادي، تضم الدولة والقطاع الخاص والجامعات والخبراء، وتكون مهمتها وضع أهداف كمية واضحة، مثل رفع مساهمة القطاعات غير النفطية، وزيادة الصادرات غير النفطية، وتقليل البطالة، وتحسين الإنتاجية، ومتابعة التنفيذ سنويًا بشفافية.
خاتمة
إن تنويع الاقتصاد العراقي ليس شعارًا إصلاحيًا، بل مشروع إنقاذ وطني. فالعراق لا يستطيع أن يبني مستقبله على مورد واحد، مهما كان مهمًا. النفط يجب أن يتحول من لعنة ريعية إلى رافعة تنموية، وذلك عبر استثمار عوائده في الإنسان، والبنية التحتية، والزراعة، والصناعة، والتكنولوجيا.
والسؤال الجوهري ليس: هل يمتلك العراق الإمكانات؟ فالجواب معروف: نعم. السؤال الحقيقي هو: هل يمتلك الإرادة السياسية والمؤسسية لتحويل الإمكانات إلى إنتاج، والإيرادات إلى تنمية، والدولة الريعية إلى دولة منتجة؟
إن مستقبل العراق الاقتصادي لن يُبنى بزيادة الإنفاق وحدها، بل ببناء اقتصاد متوازن، عادل، منتج، ومتنوع. وهذا هو الطريق الحقيقي نحو السيادة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي والكرامة الوطنية
2026-06-02