حداث تشرين باختصار!
ما بعد مجزرة مستشفى الجملة العصبية
الحلقة الخامسة
لم تكن مجزرة مستشفى الجملة العصبية نهاية الأحداث بل كانت بداية مرحلة أكثر خطورة فبعد الحادثة بدأت التحقيقات مع مختلف الأجهزة الأمنية التي كانت موجودة في موقع الأحداث للوصول إلى الجهة التي تقف خلف إطلاق النار وتبين لاحقا أن أبرز جهة اتهمت بارتكاب المجزرة وكانت هناك عدة قرائن تشير إليها هي قوة تابعة لوزارة الداخلية كانت قد تحصنت داخل بناية مستشفى قوى الأمن الداخلي التي كانت قيد الإنشاء في ذلك الوقت القريبة من موقع المجزرة
ما حدث ترك جرحا عميقا لدى المتظاهرين وذوي الضحايا والجهة السياسية التي ينتمي إليها عدد غير قليل منهم فقد تحولت مراسم تشييع الضحايا إلى مشهد امني كبير
وقد شيع القتلى بمراسم شبه رسمية من قبل سرايا السلام فيما رافقت جثامينهم عشرات السيارات العسكرية المسلحة بالأسلحة المتوسطة وهي تطلق النار في الهواء في مدينة الصدر والزعفرانية
كان الغضب يتصاعد والشارع يغلي
ومع دخول الأحداث يومها السادس والسابع بدأت المواجهات تنتشر في أكثر من منطقة من بغداد في مدينة الصدر والزعفرانية والشعب والحسينية وكانت القوات العسكرية الماسكة لقواطع المسؤولية تحاول منع المتظاهرين من التوجه نحو ساحة التحرير والسبب بحسب المعلومات الاستخبارية التي كانت بحوزة تلك القوات هو وجود أسلحة خفيفة ومتوسطة مع عدد من المتظاهرين والاستعداد لاستخدامها ضد القوات الموجودة في ساحة التحرير بدافع الانتقام للضحايا الذين سقطوا في اليوم السابق
وبذلك لم تعد المواجهة بين قوات أمنية ومتظاهرين فقط
بل بدأت تظهر مجموعات مسلحة تتحرك تحت غطاء التظاهر
وفي أحد مشاهد المواجهات قرب ساحة مظفر أصيب اثنان من أفراد حماية آمر اللواء ٤١ في الفرقة ١١ من الجيش العراقي برصاص مسلحين عندها ردت القوات الأمنية على مصدر النيران
وسقط ضحايا جدد في هذه المواجهات قدر عددهم بنحو ٧ قتلى واصابة اخرين
ثم تكرر المشهد قرب ساحة المعارض في مدينة الصدر
فبعد أن ألقت إحدى سيطرات الجيش القبض على عدد من الأشخاص كانوا يستقلون سيارة صالون محملة بالأسلحة وقنابل المولوتوف تعرضت القوة إلى هجوم مسلح انطلق من قطاع صفر أسفر الهجوم عن استشهاد أحد الجنود وإصابة عدد من زملائه ولم يتوقف الأمر عند ذلك
فقد تمكن المسلحون من الاستيلاء على بعض النقاط العسكرية وإحراقها إلى جانب إحراق العجلات التابعة لها عندها استخدمت القوات العسكرية الرصاص الحي للرد على الهجوم فسقط عدد آخر من الضحايا قدر بنحو خمسة قتلى
لكن المشهد لم يكن متشابها في جميع المناطق
ففي قاطع الزعفرانية كانت الأحداث أقل حدة بسبب قلة الاحتقان والتصرف المنضبط والحكيم لآمر لواء الشرطة الاتحادية حيث امر باعتقال عدد كبير من المتظاهرين ثم طلب من رؤساء عشائرهم وذويهم الحضور إلى مقر اللواء ووضع أمامهم خيارين
إما إحالة أبنائهم إلى القضاء بتهم تتعلق بتخريب الممتلكات العامة والاعتداء على القوات الأمنية والسجن بالنهاية
أو إطلاق سراحهم مقابل توقيع تعهد بعدم المشاركة في أعمال التخريب والاعتداء على القوات الأمنية
وقد ساعد هذا الأسلوب في تخفيف حدة المواجهات ومنع سقوط المزيد من الضحايا في تلك المنطقة
وكان أحد الأسباب الرئيسية لسقوط الضحايا استقدام أفواج مكافحة الشغب من مناطق انتشار القوات العسكرية والأمنية إلى ساحة التحرير وافراغ تلك المناطق من قوات الشغب
وما زاد الطين بله منع القوات العسكرية المتظاهرين من الخروج من مناطقهم والتوجه إلى ساحة التحرير فوجدت القوات العسكرية نفسها في مواجهة مباشرة مع متظاهرين في مناطقها وكانت المشكلة أن هذه القوات لم تكن مدربة أصلا على التعامل مع الاحتجاجات المدنية وحالات الشغب فتحولت المواجهات تدريجيا إلى صدامات دامية
وما زاد الأمر تعقيدا استخدام الرصاص المطاطي الذي كان قديما وتالفا نتيجة مرور فترة طويلة على استيراده وتخزينه في ظروف سيئة وبسبب تصلب هذا النوع من الذخيرة أصبحت إصاباته أكثر خطورة ومميته اذا اطلقت من مسافات قريبة حيث سجلت حالات وفاة وإصابات خطيرة نتيجة استخدام هذا النوع من الذخيرة
أما في المحافظات الجنوبية فكان المشهد يأخذ مسارا مختلفا
فبعد إعلان السيد مقتدى الصدر تخليه عن دعم الحكومة ومطالبته باستقالتها ظهرت مشاركة التيار الصدري في المظاهرات بشكل أكثر وضوحا وتحولت الاحتجاجات في عدد من تلك المحافظات إلى موجة واسعة استهدفت مقرات الأحزاب والقوى السياسية الشيعية المنافسة للتيار الصدري
وكان اللافت أن جميع مقرات التيار الصدري بقيت بعيدة عن الاستهداف رغم كونه أحد الشركاء الأساسيين في تشكيل الحكومة
بنهاية اليوم اصدر رئيس الحكومة قرارا بسحب قطعات الجيش من بغداد واستبدالها بقطاعات من وزارة الداخلية قيادة الشرطة الاتحادية التي كانت اكثر انضباطا واقل قسوة في التعامل مع عنف المتظاهرين
وبسبب اقتراب مراسيم الزيارة الاربعينية تعالت النداءات لايقاف المظاهرات لما بعد انتهاء مراسيم الزيارة الاربعينية وتم تاجيلها الى يوم ٢٥ / ١٠
يذكر انه بعد اكتمال تحقيقات اللجنة التحقيقية التي شكلها رئيس الوزراء بوقت لاحق من الاحداث قصرت امر لواء تلك القوة وإحالته وعدد من ضباطه ومنتسبيه إلى المحاكمة العسكرية كما جرى نقل تلك القوة إلى منطقة ساخنة في إحدى المحافظات الشمالية
2026-09-13