حتمية التغيير في الأردن واستحقاقاته!
جمال الطاهات
إن الثورات تحصل حين لا يتم الاستجابة لحقائق التطور التدريجي. وحين تعجز النظم الحاكمة عن مجاراة التطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الموضوعية. ومن الضروري التذكير بها للتوقف عند الخطاب التحذيري للمستبد الفاسد وعائلته بأن “عليهم أن يصلحوا وإلا”….
طبيعة النظام الأردني (مثل أي نظام استبدادي فاسد عبر التاريخ) حكم مستنداً إلى الدعم الخارجي، إضافة إلى ما حصل من تحولات وتغييرات على بنيته، تجعله عاجزاً عن الاستجابة لاستحقاقات التطور. فهم أذلوا الشعب الأردني وسرقوا موارده، وليس بمقدورهم أن يكونوا جزءاً من مستقبله.
حتمية التغيير لا تعني أنه سيحصل في الاتجاه الذي فيه مصلحة لشعبنا، وسقوط المستبد الفاسد وعائلته لا يترتب عليه بالضرورة أن يكون البديل حكماً وطنياً ديمقراطياً لخدمة الشعب الأردني. فالأردن ليست على المريخ، ولا تجري التحولات فيها في الفراغ. حتمية التغيير تفيد بأن من لا يقوم بإنجازه فإنه يترك الفرصة لخصومه ليحدثوا التغيير ويعيدوا تشكيل الواقع بغض النظر عن قيم الشعب الأردني ومصالحه. الشعب الذي تتلكأ قواه الحية عن المشاركة بالتغيير فإنه يتعرض لخيانة أبنائه. والقوى الطليعية التي لا تبادر بتحريك قطار التغيير، ولا تبذل كل طاقتها لضمان مساراته ومحطته النهائية، تخون شعبها.
إذ بالرغم من العوامل الأربعة المركزية لحتمية التغيير: الأول الأزمة الاقتصادية والسياسية المتصاعدة التي تضغط على الشعب الأردني، والثاني التطورات الإقليمية، وعلى رأسها سقوط جلاد دمشق وهيمنة اليمين النازي على إسرائيل والتحولات العميقة في سلوك إيران وتركيا، والثالث التحولات الدولية التي تضعف وزن وأهمية من يدافع عن الأوضاع الراهنة، (القوى العظمى بطبيعتها – وما جعلها قوى كونية عظمى- أنها لا تعاند الحتميات ولكنها تستثمرها وتسعى لقيادتها)، والرابع عجز المستبد الفاسد وعائلته عن فهم متطلبات التطور، نذكر أنه بالرغم من هذه العوامل، إلا أنه ليس من الضروري أن يكون التغيير بالاتجاه المطلوب، ويفضي إلى النتيجة المطلوبة. فكما أن التغيير لن يجلس بانتظار المستبد الفاسد حتى يتطور، كذلك لن يجلس التغيير على قارعة التاريخ بانتظار القوى الوطنية الديمقراطية الأردنية حتى تتجهز. غياب طليعة ثورية وطنية ديمقراطية أردنية تعني أن التغيير سيحصل، ولكن بمضامين غير وطنية وغير ديمقراطية. أي أن تلكؤ القوى الوطنية الديمقراطية في قيادة التغيير وفرض مضامينها على المستقبل، هي دعوة صريحة لليمين الإسرائيلي ليشكل مستقبل الأردن، عبر طاغية جديد.
حتمية التغيير تعني أن الوضع الراهن فقد عناصر استدامته، ولكن بديله ليس بالضرورة أن يكون في صالح الشعب الأردني. حتمية التغيير استحقاق لعجز المستبد الفاسد عن فهم استحقاقات التطور. وحتمية التغيير متعلقة بعجز الوضع الراهن عن الديمومة. إلا أن غياب الوطنيين الديمقراطيين الأردنيين عن المبادرة بدفع مشروع التغيير وتحديد مضامينه، تعني بكل بساطة أن التغيير سيحصل، ولكن باتجاهات ومآلات لا تضمن مصالح الشعب الأردني. فمن يتخلى عن التفاعل مع لحظة التغيير الحتمي يفقد صلته بالتطور وصناعة التاريخ. وإذا تخلفت القوى الوطنية الديمقراطية عن الدفع بقطار التغيير، وبقيت لأبنائنا فرصة أن يضعوا شواهد لقبورنا، ليس لنا إلا أن نرجوهم أن لا يكتبوا اسماءنا عليها، سنكون قد خسرنا وطن لم ندافع عن حاضره ومستقبله، وأورثنا أبناءنا ذل ترددنا وتخاذلنا.
هناك مفهوم رياضي يتم تطبيقه في السياسة والاقتصاد يسمى (Equifinality)، مفاده وجود عدد لا نهائي من المسارات التي توصل بين نقطتين. بمعنى أنه وإن كان الانتقال والتغيير حتمي، ولكن المسارات متباينة ومختلفة. والذي يحكم مسارات التغيير ويحددها هي القوى الفاعلة في إحداثه. سياسياً. الذي سيقرر مسارات التغيير ونتائجه هي القوى التي ستحدثه وما لديها من مشاريع وأهداف وأدوات وعناصر قوة.
عجز المستبد الفاسد وعائلته عن التكيف مع التطورات المحلية والإقليمية والدولية، تجعل سقوطهم حتمياً. فهم ليسوا بوارد الاستماع لأي دعوات تحذيرية، فقد أعماهم الاستبداد والفساد. وبدلاً من (معجوقة خطابات التحذير)، الطليعة الوطنية الديمقراطية الأردنية، مطالبة بتقديم برنامج التغيير الوطني الديمقراطي. عنوانه تمكين الشعب الأردني من استرداد الدولة سلطة وموارد، وبناء الدولة الحقيقية التي تعبر عن وجدان الأردنيين وقيمهم العليا المشتركة، وتخدم مصالح كل مكونات الشعب الأردني بلا تمييز. فحتمية التغيير دعوة لكل القوى الحية للمشاركة بصناعته وليس التحذير منه. وحتمية التغيير دعوة للجميع للمشاركة به، وصرخة عارمة مفادها: النخب التي لا تشارك بصناعة التغيير، تخون شعبها، وعقابها سيكون بتهميشها وعزلها عن الواقع والمستقبل.
أخيراً، لا بد من التذكير أن مضامين قوى التغيير تتشكل عبر انخراطها في مشروع التغيير، وليس عبر الجلوس (والنأي بالنفس عن المشاركة في إحداث التغيير) ومحاولة بناء تصورات وبرامج للتغيير معزولة عن الحدث، بحجة بناء الجاهزية. الجاهزية الثورية يتم تحصيلها بالمشاركة الثورية، وليس بشكل سابق عليها. كل الحركات الثورية اكتسبت ملامحها عبر الصراع وتحقيق النصر، وليس عبر ما قيل وكتب بشكل سابق على تبني الخيار الثوري. لا وجود ولا كينونة لحركات التغيير والحركات الثورية، إلا بالانخراط بالفعل الثوري، والعمل على إحداث التغيير.
2024-12-25
