“حبوب الغاز” اصبحت اليوم وسيلة سهلة للانتحار!

رنا علوان
فوسفيد الألمينيوم (ALUMINIUM PHOSPHIDE) ، أو الغاز الناتج عنها (الفوسفين) هو مركب كيميائي صيغته PH3 ، يمتاز بخصائص سامة ومميتة
وهو غاز قابل للاشتعال عديم اللون ، ويعتبر من الغازات السامة ، ( يكون الفوسفين النقي عديم الرائحة) ، ولكن العينات التقنية ذات رائحة كريهة جدًا ، تشبه الثوم أو السمك المتعفن ، ويرجع ذلك إلى وجود الفوسفين مع الديفوسفين (P2H4)
لا تتجاوز نسبة النجاة في حال تناوله [الخمسة في المائة فقط] ، ما جعلها وسيلة (للانتحار وللأسف الأكثر شيوعًا) ، وقد شهدت مناطق شمالي سوريا العديد من الحالات مؤخرًا ، ما استدعى ذلك الى دق ناقوس الخطر “
في بداية التسعينيات تم حظر غاز (الفوسفين) في أميركا، وتصنيفه كغاز سام ، وفقًا ( لإدارة الصحة والأمان الأميركية ) ، المسؤولة عن الصحة في مجال العمل
و”حبوب الغاز” أو “حبوب الغلة” كما يطلق عليها شعبيًا في الشمال السوري ، هي أقراص تُستخدم كمبيد حشري من أجل حفظ الغلال المختلفة من التسوس ، إلا أنها باتت تُستعمل اليوم في سوريا كوسيلة للانتحار
بعد ان تم رصد عدد كبير من الوفيات الناتجة عن استخدام “فوسفيد الألمينيوم” إن كان بسبب الجهل ، كونه يتم استخدامه (كمبيد للحشرات) ، فهو مثالي للقضاء على الحشرات ، بجميع أنواعها ومراحل نموها ، دون التأثير على حيوية النباتات أو بذورها ، وهذا ما يدفع الاشخاص إلى استخدامه في الأغراض الزراعية ، بحسب ما يُشاع
او ان كان بسبب التعمّد لإنهاء الحياة ، كونه متوفر بين متناول اليد ، وبأسعار زهيدة ، إذ يبلغ سعر العلبة التي تزن كيلوغرامًا وتحتوي على 350 قرصًا نحو 10 دولارات ، كما ان الحصول عليه امر جدًا سهل أيضًا
وهنا من الجدير ان نذكر ، أنه لا يوجد ، أي مضاد للتسمم أو ترياق لهذا الغاز
الأمر الذي يزيد من خطورته ، ويجعله أكثر سميّة من بقية المبيدات الحشرية الأخرى ، المُصرّح بإستخدامها ، حيث أنه يفتك بصمت
فقط [ بمجرد التعرض للهواء الرطب أو التفاعل مع عصارة المعدة ، يبدأ مفعول الحبوب ، ويؤدي إلى تلف الخلايا ، ويتسبب في انهيار الميتوكوندريا (بمثابة مولدات الطاقة الموجودة بمعظم الخلايا) ما يؤثر على الدورة الدموية ، بالإضافة إلى تسمم الكلى والكبد وفشل القلب]
وفي حال النجاة من الموت ، يعاني الناجي من أحد أنواع الإعاقة الدائمة
يحدث التسمم بهذه المادة إما عن طريق البلع أو الاستنشاق ، ويؤثر الغاز بصورة مباشرة على العصيات المسؤولة عن إنتاج الطاقة ما يؤدي إلى توقف عمل العديد من الإنزيمات ، كما يؤثر على عملية الفسفرة التأكسدية ، وهي مسار استقلابي يستخدم الطاقة الناتجة عن الأكسدة للمواد الغذائية لإنتاج أدينوسين ثلاثي الفوسفات ATP
(الأعراض التي يشعر بها من تناول المادة أو استنشاقها تشمل الغثيان والقيء والإسهال والصداع والمغص ، وتتطور بعد ذلك إلى ضيق في التنفس ، والشعور بثقل في الصدر وسعال ، وإرهاق عام ، وضعف في العضلات وعدم قدرة على التركيز ، مع احتمال حدوث تشنجات عصبية ) ، ويجب على الأطباء الإسراع في اتخاذ جميع الإجراءات والإسعافات ، ومنها غسيل المعدة ، وإجراء تحاليل وصور ، ومراقبة وضع المريض
لكن في حال النجاح في إنقاذ حياته ، سيعاني الشخص من التهاب دماغي قد يؤدي إلى الشلل ، أو فقدان النطق ، أو الإصابة بقصور كلوي ، وتعطل عمل جزء من الكبد
وهي متوفرة بنوعين ، الأول صغير الحجم مستورد من الصين وعياره 56 غرامًا ، وتحتوي العلبة الواحدة على 1666 حبة بوزن كيلوغرام ، ويُعرف باسم “بيستوكسين”
أما الثاني المعروف تجاريًا باسم “فيستوكسين” فغالبًا ما يتم تعبئته ضمن شرائط او مواسير ، وتحتوي كل ماسورة على 20 حبة وتزن كل حبة 3 غرامات ، ويكون حجمها كبيرًا وتأتي بعيار 57 غرامًا لكن تركيزها أعلى وأقوى ، أما مصدر هذه الأنواع فإما صيني أو هندي ، وعادة ما تكون أسعار الصيني أغلى من الهندي ومرغوبة من قبل الزبائن بسبب جودته
اما بالنسبة الى كيفية دخولها الى الاراضي السورية فتدخل هذه الحبوب إلى الشمال السوري عن طريق باب الهوى بواسطة شركات محلية ، وتباع في الصيدليات ومحال المواد الغذائية
وبعد ان تعالت الصرخة ، اخذت السلطات قرار بحصره في الصيدليات مع العمل على تسير دوريات مراقبة بين الفينة والاخرى
كما وحصرها بالمزارعين بعد تدوين أسمائهم وأرقامهم بموجب إيصال بيع معتمد
نجد ان هذا النوع من المبيدات محظور تصنيعه في العديد من دول العالم ، خصوصًا الدول الأوروبية ، لكن تصنيعه شائع في الصين والهند
وتشير الإحصاءات إلى أن أعداد المتوفين حول العالم بسبب تناول المبيدات الحشرية يتراوح ما بين 250 و370 ألف شخص ، وأنها كانت المسؤول الأول عن ثلث حالات الانتحار في جميع أنحاء العالم في عام 2018
ويحذر الأطباء والمختصون بالمبيدات من تواجد حبوب الغلة في المنازل ، خصوصًا في حال وجود أطفال فيه ، إذ يمكن أن يبتلعها الأطفال عن طريق الخطأ ، وقد تؤدي إلى وفاتهم على الفور
كما يجمع الأطباء ، على أنه وعند النظر إلى جثة ضحايا (الفوسفين) ، فأنه يكون من الصعب ، التكهن بالمتسبب ، فهو لا يترك علامات أو دلائل على وجوده سوى شفاه زرقاء وجسد بارد ، الأمر الذي يترك الأطباء في حيرة من أمرهم
وهناك ايضًا ، مبيدات تشبه فوسفيد الألومنيوم (ALUMINIUM PHOSPHIDE)
يحدد الخبراء ، عدة مبيدات تشبه إلى كبير مادة فوسفيد الألومنيوم (ALUMINIUM PHOSPHIDE)، لجهة إطلاق غاز (الفوسفين السام PH3) وبتركيز مختلف ومن بين تلك المبيدات:
مادة فوسفيد الزنك (ZINC PHOSPHIDE) ومادة فوسفيد المغنيسيوم (MAGNESIUM PHOSPHIDE)
ختامًا ، في ظل ما تعانيه الدول العربية من خناق وحروب ، ووضع إقتصادي متدهور ، وانهيار في العملات المحلية ، نجد ان حالات الانتحار اصبحت في وتيرة تصاعدية
كما ان معظم الأشخاص الذين يفكرون بالانتحار أو يقدمون عليه ، يعانون من أحد أنواع الاضطرابات النفسية العديدة والمختلفة بعوارضها ، إلا أنه لدى جميعهم (عامل مشترك واحد ) وهو فقدان الأمل
عندما يصل الشخص إلى شعور أو فكرة أن لا حل لمشاكله ومعاناته ، يبدأ التفكير بالانتحار كحلّ سهل ، او گ باب وحيد للراحة ، بأن ينهي وجوده في هذه الحياة
ان مدى معاناة الشخص من اضطراب نفسي معيّن ، لا يرتبط بالضرورة بمدى تفكيره بإنهاء حياته ، بل يتعلق الأمر أكثر بمدى (فقدانه للأمل) كما ذكرنا
وعليه قد يكون تقييد الوصول إلى أدوات الانتحار ، من الوسائل المفيدة لتفادي بعض الحالات ، إلى جانب التوعية في وسائل الإعلام ، بغياب أي خطة حكومية جدية لدعم العناية بالصحة النفسية ، ومنح الأشخاص منافذ أمل من قِبل جميع المحيطين
فالتخلص من الوصمة السلبية المتعلقة بالصحة النفسية والتشجيع على طلب مساعدة المختصين تبقى الطريقة المثلى لبناء مجتمع أكثر راحة واطمئنانًا ، حتى في ظلّ أزمات سياسية ومالية متلاحقة
2023-08-31