جوهر الخلاف التركي السعودي .ج2!
ابو زيزوم .
دائما يحتاج الحاكم حجة يبرر بها تسلطه على رقاب الناس . حتى في الازمنة التي كانت فيها القوة المجردة حجة كافية لتولي الأقوياء الحكم كان أولئك الأقوياء يتبجحون بعدلهم وإنجازاتهم كمسوغات إضافية لتمسكهم بالسلطة ، إدراكاً منهم بأن القوة وحدها مبدأ غير اخلاقي في الحكم . فجرى تعضيد القوة بمزوقات دينية ودنيوية كثيرة تجعل من القوة عاملا غير مرئي رغم مركزيته ، مثل محرك السيارة . وكان نظام الحكم في السعودية ومنذ نشوئه قبل قرن يستمد شرعيته من الدين عبر ( البيعة ) ورضى المؤسسة الدينية . لكن هذه الشرعية تعرضت لهزات قوية في تسعينيات القرن الماضي بسبب حرب الكويت وتداعياتها التي أفرزت ولأول مرة معارضة حقيقية ، إسلامية وعلمانية . وكان بوسع السلطات ان تحتفظ بالجانب الشكلي من تلك الشرعية ، فهو ذو أهمية بالغة رغم تآكله ، وقابل للاستمرار وقتاً اضافيا . الا ان الحاكم زهد به كليا لأسباب وظروف لن نخوض في تحليلها الان ، فالذي يعنينا هو نتائجها .
كان قرار خلع العباءة الدينية يحتاج جرأة لم تتوفر لحاكم قبل محمد بن سلمان . وقد تكون جهلا اكثر مما هي جرأة . فربما يجهل هذا الشاب عواقب ما هو مقدم عليه ! لكنه لا يجهل ضرورة الاستناد الى شرعية يملأ بها الفراغ الناتج في مؤسسة الحكم . لقد اطاح بالمؤسسة الدينية ومعها الاسرة الحاكمة وهما الدولة العميقة في السعودية ، ولهما من السطوة فوق ما يمكن تصوره . لا اقصد هنا الأجنحة التي أزيحت من رجال الدين والأمراء ، وانما اقصد الأجنحة التي تُمارس التقية محتفظة بدورها في مفاصل الدولة واجهزتها الخاصة .
سعى ابن سلمان للحصول على تأييد شعبي يفوضه لقيادة حركة تغيير كبرى . وهذا ليس بالأمر اليسير أبدا . فأن يحظى حاكم عربي بدعم شعبه والامريكان في ذات الوقت لهو امر شبه مستحيل . وهنا تتجلى قدرة ابن سلمان في التوليف بين النقيضين بصرف النظر عن أسهم النقد الموجهة اليها ، وبصرف النظر عن حظوظها من النجاح على المدى البعيد . لقد استطاع المزايدة على الاخوان في عقر دارهم وشاطرهم جزءا من الجمهور دون ان يساوم قيد شعرة على تبعيته المطلقة للأمريكان .
اقتنص ابن سلمان الهدفين الأمريكيين الذين لهما جمهور عريض في العالم السني : الاول هو معاداة ايران . وقد تجاوز فيها الاخوان بأشواط . تأجيج المشاعر الطائفية ضد ايران اشتركت فيه عدة جهات في مقدمتها الاسلام السياسي وخاصة تيار الاخوان . الا ان الاخوان لم يفعلوا ذلك خدمةً لأمريكا وانما دفاعا عن وجودهم كتيار مذهبي يعتقد انه صاحب الامتياز الحصري في قيادة السنة كطائفة . لذلك ورغم كل الحروب والدمار حرص الاخوان على ابقاء قنوات الحوار مفتوحة مع ايران . صراع المذاهب بالنسبة لهم لعبة سياسية لا تتجاوز قواعد اللعبة . فجاءهم ابن سلمان بشدة تضعهم على المحك فإما مجاراته ونسف كل علاقاتهم مع ايران وبذلك يدخلهم عنوة ضمن الاستراتيجية الامريكية ، او يقعون في التردد فينتزع قطاعات من جمهورهم المشحون طائفيا .
عندما استهدف ابن سلمان قطر كان يدرك انها ستلجأ الى ايران اضطرارا ، وهو يريدها ان تلجأ الى ايران لتخسر الحليف الامريكي وقدراً من التأييد الشعبي او هكذا يظن . وعندما استهدف حماس كان يدرك انها ستلجأ الى ايران فتسقط شعبيا او هكذا يظن ويحقق بدمها تقربا آخر للامريكان .
الهدف الامريكي الثاني الذي اقتنصه ابن سلمان ويحظى برصيد شعبي محلي هو بناء دولة (عصرية) حسب المفهوم المطلوب أمريكياً للمعاصرة . فليس من رغبات امريكا قيام دولة عربية معاصرة في اي مكان من اجزاء الأمة . المسموح به والمرغوب ان لا يتعدى التحديث مظاهر الاباحية . وابن سلمان يعرف ذلك جيدا ليس لذكائه الزائد بل لأن تلك المعرفة لا تحتاج الى ذكاء. وإلى جانب الرضى الامريكي يحقق له هذا التوجه دعماً واسعا في أوساط الشباب المكبوتين . على اقل تقدير يوفر له تأييد النصف مليون رجل سعودي الذين يعبرون كل خميس الى دبي والبحرين لممارسة المتعة المحظورة في بلادهم . والصفقة محسوبة ، فقد تخلى عن دعم المطاوعة ليحصل على دعم ضعفهم من التيار المعاكس . ولا تخلو هذه الخطوة من مزايدة على الاخوان داخل معقلهم الرئيسي ( تركيا ) . تركيا النموذج الذي يفاخر به الاخوان حيثما وجدوا ليس الا بلدا غربيا في هذا الجانب تباح فيه جميع المحظورات الاسلامية . صحيح ان المقارنة غير واردة البتة بين تركيا كبلد يتقدم في جميع المجالات ويتطلع لمنافسة الدول الكبرى وبين السعودية ، لكن ابن سلمان يفحم الاخوان كلما شنعوا على هيئة الترفيه بالقول ان في تركيا ما يفوقها انحلالا .
____ يتبع
( ابو زيزوم _ 854 )
2020-05-09