بريطانيا تستهدف اقتصاد الاستيطان
والكيان ردّ بإغلاق قنصلية القدس
وضعت العقوبات على اقتصاد الاستيطان لندن في مواجهة دبلوماسية حادة مع الدولة العبرية، التي ردّت باستهداف قنوات التواصل البريطاني مع الفلسطينيين، وسط تلويح أميركي بإجراءات انتقامية
سعيد محمد*
دخلت العلاقات البريطانية الإسرائيلية نفق مواجهة دبلوماسية واقتصادية حادة، بعدما أعلنت حكومة أندي بورنهام العمّالية حزمة عقوبات تستهدف المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة وشبكات تمويل توسعها، مقرونة باتهام رسمي لمستوطنين بممارسة “التطهير العرقي” بحق الفلسطينيين، لترد حكومة بنيامين نتنياهو بإعلان إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية وإبعاد ممثلين بريطانيين عن مركز التنسيق الدولي الخاص بغزة، وفرض قيود على دخول شخصيات سياسية يسارية معروفة بتأييدها لحقوق الشعب الفلسطيني، في تصعيد قد تمتد تداعياته إلى علاقة لندن بواشنطن ومستقبل الدور البريطاني في الأراضي الفلسطينية.
وأعلن وزير الخارجية إد ميليباند، أمام مجلس العموم (الثلاثاء)، اعتزام بريطانيا حظر استيراد جميع السلع المنتجة في المستوطنات، وفرض عقوبات على جهات وأفراد يموّلون البناء الاستيطاني أو يسهّلون توسعه، بما يشمل خدمات الإنشاء والبنية التحتية والعقارات والإعلانات، مع توسيع قيود تصدير الأسلحة والمعدات لتشمل الصادرات التي تسهم مادياً في استمرار الاحتلال. وحدد الوزير فترة تتراوح بين ستة وتسعة أشهر لاستكمال الإجراءات اللازمة لتطبيق المنظومة الجديدة.
وتطال الحزمة الموارد التي تغذّي التوسع الاستيطاني، من تمويل مشاريع البناء وتنفيذها إلى تسويق منتجات المستوطنات وخدماتها، فيما شدد ميليباند على استمرار التجارة مع إسرائيل داخل الخط الأخضر، مؤكداً التزام حكومته بأمن (إسرائيل) وحقها في الوجود وحماية مواطنيها، وربط الإجراءات بالحفاظ على فرص قيام دولة فلسطينية إلى جانب الدولة العبرية، بما يضع الشركات البريطانية أمام قواعد جديدة تميّز بين التعامل مع الاقتصاد الإسرائيلي والمشاركة في أنشطة ترسّخ الاحتلال وتوسّع المستوطنات.
وأضفى الوزير ثقلاً سياسياً إضافياً على الإعلان حين تبنّى، باسم الحكومة، توصيف ما يجري في أجزاء من الضفة بأنه تطهير عرقي يرتكبه “إرهابيون من المستوطنين” متهماً السلطات الإسرائيلية بالتغاضي عن تلك الممارسات، ونسب إلى أعضاء في حكومة ناتنياهو أقوالاً وأفعالاً تشجع التهجير القسري، مستحضراً هدم المنازل وتدمير الطرق والمرافق العامة واقتلاع الأسر من مساكنها، وهي وقائع ربطها بسياسة تدفع الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم تحت ضغط العنف.
وأعلن ميليباند تبنّي الحكومة البريطانية موقفاً رسمياً يعدّ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية مخالفاً للقانون، في ضوء ترسيخ إسرائيل سيطرتها على الأراضي المحتلة وسعيها إلى فرض سيادة دائمة عليها عبر التوسع الاستيطاني، مستنداً إلى الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية عام 2024، وهو تحول ينقل الموقف البريطاني من إدانة المستوطنات إلى الطعن في مشروعية استمرار الاحتلال ذاته، ويمنح الإجراءات الاقتصادية أساساً قانونياً أوسع يقتضي مراجعة تعامل المؤسسات البريطانية مع الأنشطة التي تدعم بقاءه.
ويحتل مشروع “إي 1″، الواقع بين القدس الشرقية ومستوطنة معاليه أدوميم، موقعاً مركزياً في القرار، بعدما طرحت إسرائيل مناقصات لبناء نحو 1200 وحدة سكنية ضمن مخطط يستهدف تشييد ما يقارب 3400 وحدة، إذ ترى لندن وشركاؤها أن البناء في هذه المنطقة يهدد التواصل الجغرافي الفلسطيني ويقوّض قابلية الدولة المنشودة للحياة. وكان وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش قد ربط المشروع علناً بدفن فكرة الدولة الفلسطينية، مانحاً المخاوف الأوروبية سنداً من داخل الحكومة نفسها.
وسبق الانفجار الدبلوماسي الأحدث تهديد إسرائيلي معلن في الأول من سبتمبر، عندما قال وزير الخارجية جدعون ساعر إن إسرائيل ستتحرك ضد بريطانيا إذا اتخذت لندن إجراءات ضدها، مؤكداً امتلاك حكومته أدوات للرد، وهو التهديد الذي ذكرت به السفارة الإسرائيلية في لندن عقب تعهّد ميليباند بإعادة صياغة السياسة البريطانية تجاه الاستيطان، لتأتي الإجراءات الانتقامية بعد أسبوع من ذلك التحذير، وتكشف استعداد الحكومة الإسرائيلية لتحويل الاعتراض البريطاني إلى مواجهة تتجاوز سقف الملف التجاري.
وترجمت إسرائيل تهديدها سريعاً بالإعلان عن إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية – التي تتولى العلاقة مع الفلسطينيين في القدس والضفة وغزة -، مع توقع تنفيذ الإغلاق خلال ثلاثين يوماً، وإبعاد ممثلين بريطانيين عن مركز التنسيق الدولي الخاص بغزة في كريات غات، وإنهاء أنشطة تدريب بريطانية لقوات السلطة الفلسطينية، فضلاً عن حظر دخول شخصيات بريطانية، بينها نواب اليسار مثل جيريمي كوربن وديان أبوت وزارا سلطانة، في استهداف شامل لأدوات الحضور البريطاني لدى الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.
من جهته، وصف ساعر تصريحات ميليباند بأنها أكاذيب فاضحة وموقف مشوّه أخلاقياً، واتهم الحكومة العمالية بالعداء لإسرائيل والتدخل في انتخاباتها المقبلة، فيما اعتبر الرئيس إسحاق هرتسوغ القرار خطأً جسيماً يضر الفلسطينيين ويؤثر في العملية الديمقراطية الإسرائيلية. وتكتسب هذه الاتهامات حساسيتها من اقتراب انتخابات الكنيست المقررة في أواخر أكتوبر/ تشرين أول المقبل، وسط سعي الائتلاف الحاكم إلى الدفاع عن سياساته الاستيطانية وتقديم الضغوط الخارجية بوصفها استهدافاً لسيادة الدولة وخيارات ناخبيها.
وفي مقابلات صحافية (الأربعاء)، وصف ميليباند الرد الإسرائيلي بأنه مؤسف وضار، وأقرّ بأن إغلاق القنصلية سيؤذي الصلة بالسلطة الفلسطينية، مؤكداً أن الحكومة درست الكلفة والفوائد قبل اتخاذ قرارها، وأن استمرار التوسع والتهجير فرض التحرك لحماية فرصة التسوية. كما عبّر عن ثقته باستمرار العلاقات الأمنية والاستخباراتية المهمة مع إسرائيل، وهو موقف يكشف رغبة لندن في احتواء تبعات المواجهة ضمن حدود تسمح بمواصلة التعاون في ملفات أخرى.
وجاء التحرك البريطاني بالتنسيق مع فرنسا وكندا، ضمن موقف مشترك لاثنتي عشرة دولة يشمل أيضاً الدنمارك وإسبانيا وفنلندا وإيرلندا وآيسلندا والنرويج وبولندا والبرتغال والسويد، التي تعهّدت باتخاذ إجراءات وطنية أو دعم قيود أوروبية على تجارة سلع المستوطنات، مع تفاوت الآليات والجداول الزمنية بين العواصم، الأمر الذي يمنح القرار البريطاني وزناً جماعياً، ويزيد الضغوط على إسرائيل كلما اتسعت دائرة الأسواق والمؤسسات المالية المشمولة بتلك الإجراءات وتقدمت الحكومات في تنفيذها.
وتكمن إحدى نقاط الاختبار الرئيسية في قدرة العقوبات على الوصول إلى تمويل البناء، إذ تمثل منتجات المستوطنات جزءاً محدوداً من الصادرات الإسرائيلية، بينما تستند مشاريع التوسع إلى دعم حكومي ومؤسسات مصرفية وضمانات مالية، وقد تضع الصياغة التنفيذية البنوك وشركات التأمين أمام مفاضلة بين مصالحها البريطانية وانخراطها في المشاريع الاستيطانية، بحسب نطاق الجهات والخدمات التي ستشملها العقوبات فعلياً، وهو تفصيل يتوقف عليه حجم الأثر الاقتصادي وسرعة انتقاله إلى أعمال البناء.
وتواجه لندن كذلك مهمة ضبط منشأ السلع ومسارات توريدها، وتحديد الروابط المالية التي تصل المؤسسات التجارية بالمستوطنات، وقد شدد ناشطون في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية على ضرورة إحكام إجراءات الوسم والرقابة ومنع تسويق المنتجات الاستيطانية باعتبارها منتجات إسرائيلية عامة، فيما تمنح مهلة التنفيذ الشركات وقتاً لإعادة ترتيب معاملاتها، وتفتح المجال أمام ضغط سياسي وقانوني للتأثير في النصوص النهائية والاستثناءات المحتملة وآليات مراقبة الامتثال للعقوبات.
وامتدت المواجهة إلى واشنطن، حيث لوّح السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي برد أميركي وتداعيات اقتصادية تطال الشركات البريطانية، مشيراً إلى إمكان تحرك السلطات الاتحادية وولايات منفردة، بينما عبّر وزير الخارجية ماركو روبيو عن تحفظات تتصل بتأثير الإجراءات في مسار غزة، وأوضح تمسّك بلاده بنهج مختلف، بما يضع الحكومة البريطانية أمام احتمال اتساع الخلاف مع أبرز حلفائها حول أدوات الضغط على إسرائيل وحدود حماية العلاقات الاقتصادية من النزاع السياسي.
على المستوى الداخلي، توزع الجدل السياسي بين مخاوف كلفة القرار والمطالبة بتوسيع مداه وتعجيل تنفيذه. فبينما شكك وزير خارجية حكومة الظل توم توغندهات – من حزب المحافظين -، في جدوى العقوبات مستنداً إلى تداخل الاقتصادين الفلسطيني والإسرائيلي، رحب نواب عماليون بتشديد الموقف تجاه الاستيطان، في سياق مرتبط بضغوط تعرض لها الحزب بسبب الحرب على غزة وخسارته أصواتاً لصالح الخضر ومستقلين. وطالب زعيم الخضر زاك بولانسكي بإجراءات أوسع تشمل التجارة والاستثمار والتعاون العسكري.
ويمكن قراءة هذا التشدد العمالي في سياق حسابات انتخابية يفرضها صعود اليمين الشعبوي ونزف الشعبية الذي تعرض له حزب العمال الحاكم في عهد رئيس الوزراء السابق السير كير ستارمر، إذ أظهر استطلاع أجرته مؤسسة يوغوف بداية الشهر الحالي تعادل حزب العمل مع “ريفورم” اليميني بزعامة نايجل فاراج عند 23 في المئة لكل منهما، بما يزيد أهمية استعادة الناخبين الذين ابتعدوا عن الحزب بسبب موقفه من الحرب على غزة وانتخبوا مرشحين من الخضر والمستقلين. وتتيح العقوبات لبورنهام إبراز تمايزه عن حكومة سلفه وإعادة وصل الحزب بشرائح خسرها من قاعدته التقدمية والناخبين المسلمين.
وقد أثار الإعلان اعتراض الحاخام الأكبر إفرايم ميرفيس ومؤسسات يهودية بريطانية حذرت من انعكاساته على سلامة اليهود وتصاعد الاعتداءات ضدهم، وردّ ميليباند بتأكيد هويته اليهودية والتزام حكومته بمكافحة معاداة السامية، واعتبر تحميل اليهود مسؤولية أفعال الحكومة الإسرائيلية شكلاً صريحاً منها. وفي المقابل رحب السفير الفلسطيني حسام زملط بالخطوة باعتبارها تحولاً في العلاقة البريطانية الفلسطينية وترجمة لمبدأ ترتيب عواقب على انتهاكات القانون الدولي، وسط مطالبة حقوقية بتوسيع نطاق المساءلة.
وفي ملف غزة، أشار ميليباند إلى أدلة على ارتكاب جرائم حرب، وأيّد المسارات القضائية لتحديد المسؤوليات، تاركاً توصيف الإبادة الجماعية للمحاكم الدولية، كما طالب بنزع سلاح (حماس) واستبعادها من إدارة القطاع، رابطاً استئناف العملية السياسية بتنفيذ خطة السلام، في محاولة لجمع الضغط على إسرائيل وترتيبات المستقبل الفلسطيني ضمن مقاربة شاملة.
تُقاس فاعلية هذا التحول في السياسة البريطانية بجديّة لندن في ترجمة العقوبات المعلنة إلى قيود تطال تمويل الاستيطان وتحدّ من توسعه، إذ يُتوقع استمرار أعمال البناء الإسرائيلية وتصاعد ضغوط التهجير خلال الأشهر الفاصلة بين الإعلان والتنفيذ، ما يجعل سرعة إقرار التشريعات وإحكام تطبيقها وتعظيم أثرها بالتنسيق مع كندا والشركاء الأوروبيين عوامل حاسمة في تحديد أثر هذه المواجهة على الأرض، ومدى قدرتها على توفير حد أدنى من الحماية للفلسطينيين وصون حد أدنى من المقومات الجغرافية والسياسية اللازمة لتحقيق حل الدولتين مستقبلاً.
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2026-09-12