جورج جرداق
د. موفق محادين
ماذا يعني جورج جرداق في هذه اللحظة بالذات، وقد رحل عن ثمانين حولا من الشعر والحرب والمسرح والفن والتاريخ..
ماذا يعني رحيل هذا الشاعر اللبناني الجنوبي المسيحي الذي لم يغادر فضاءات المتنبي ونهج البلاغة للامام الشهيد علي بن ابي طالب.
ومن مفارقات حياته كما حياة الشعراء الكبار الذين يخلدون الأحداث والزعماء ودونهم لا أحد يتذكرهم، أن ام كلثوم هي التي أعلنت عن هذا الشاعر من خلال أغنيتها الشهيرة، هذه ليلتي، وكانت من كلماته
هذه ليلتي وحلم حياتي
بين ماض من الزمان وآت
الهوى أنت كله والأماني
فاملأ الكأس بالغرام وهات
بعد حين يبدل الحب دارا
والعصافير تهجر الأوكارا
وديار كانت قديما ديارا
سترانا كما نراها قفارا
سوف تلهو بنا الحياة وتسخر
فتعالي أحبك الآن أكثر
والمساء الذي تهادى إلينا
ثم أصغي والحب في مقلتينا
لسؤال عن الهوى وجواب
وحديث يذوب في شفتينا
قد أطال الوقوف حين دعاني
ليلم الأشواق عن أجفاني
فادن مني وخذ إليك حناني
ثم اغمض عينيك حتى تراني
بالإضافة لهذه القصيدة التي تذكرنا بالخيام ورباعياته أيضا، انشغل جرداق بالفلسفة والتاريخ وعلى نحو كم نحتاجه هذه الأيام بالذات، حيث تهب الرياح السموم وتغشو الروح والوجدان على نحو بغيض من انشطارات الملل والنحل.
فقد راحت فلسفة (الجفر) ونهج البلاغة تتسلل اليه وفي نفسه مع قهوة الصباح وندى الأرض وأجراس الكنائس في تلك القرى الجبلية.
لم يكن الامام بالنسبة له كما لم يكن عند المتنبي وأبو فراس الحمداني والقرامطة واخوان الصفا، عنوانا لاصطفاف سياسي وأيديولوجي بين سيفين يرفعان كتاب الله، بل كان اختصارا وتكثيفا لوجدان ضارب في أعماق التاريخ و(الاسم العربي الجريح) منذ تموز والباكيات عليه بين الرافدين وبر الشام.
وكما كل الاشياء الكبيرة والجميلة التي تتحصن وراء اللغة وايقاع الابجديات، كان نهج البلاغة كما لعبة الحروف في القصيدة التي اختارتها أم كلثوم له..
هكذا اختار اللغوي والشاعر صداقته مع صاحب (الجفر) ومع ما يمثله الامام من أعماق محجوبة عصية على التكفيريين والجهلة وفالقي الهامات في ديار لم تعد ديارا وسترانا كما نراها قفارا
2014-12-16