جزائر الفقراء.. أسئلة مشروعة حول سقوط الطائرة العسكرية
محمد علي القاسمي الحسني
يختلف اثنان في كون النظام الجزائري أحد هذه الأنظمة القائمة على ظهر بنية اجتماعية متزعزعة و خوف غير مبرر من الغرب و العرب على حد سواء ، و خير مثال على هذا الصراع المفتوح مع النظام الليبي السابق و النظام المغربي ، جاعلا مصير الجزائر رهينة رغبة عابرة فقط لحفظ الاستقرار الهش ، و هذا ليس غريبا عن نظام شمولي يدرك ميكانيزمات حكمه جل دارس للعلوم السياسية .
رغم أن التاريخ الأوروبي عرف سقوط الملايين لأجل وصول فلان أو فلان للحكم ، فان نفس الأمر عرفته الجزائر طوال تاريخها ممثلا في ظهور عديد الدول التي حكمت في مراحل زمنية مختلفة ، لكن الفارق أن الدول الأوروبية اتحدت الآن داخل كتلة اقتصادية و سياسية و تحاول التكتل عسكريا ، و على النقيض فان الجزائر لازالت دولة مفتتة تقوم على الخلافات القبلية و الفكرية ، يحكمها نظام تحت غطاء الشرعية الثورية التي تخول له الحكم نظرا لكونه وريث ثورة التحرير فيتم صناعة الرجل الأسطورة الذي بدونه فان الجزائر ستتحول لصحراء خالية و هذا ما ولد في الأذهان أسطورة بومدين الذي أمم النفط ثم بوتفليقة الذي قضى على الإرهاب و هنا تكمن الكارثة فالاتحاد الأوروبي توصل بعد قرون من التقاتل الدموي لإنشاء تكتل ناجح بقناعة سياسية واضحة لزعمائه اللذين أرادوا الخروج من العباءة الأمريكية و خدمة مصالح شعوبهم ، أما الجزائر فلازال قادتها يعبثون بمصيرها المجهول و العجيب امتلاكهم قدرة على التوالد و التكيف المستمر .
لقد عرفت الجزائر عديد الإضرابات التي قام بها الأطباء و عمال قطاع التربية و الحرس البلدي و غيرهم من النقابات العمالية المطالبة بحقوق مهضومة و المطالب التي قدمها سكان الجنوب ممثلة أساسا في المساواة مع الشمال و توفير مناصب العمل و ترقية ظروف الحياة القاسية في كثير من المناطق التي تنعدم فيها ظروف الحياة الكريمة ، إضافة إلى حالة الصراع بين التوجهين الدينيين ممثلين في التيار المالكي و التيار السلفي ، و جل هذا غطته وسائل الإعلام التي تزين الواقع الجزائري أمام العالم متحدثة عن الرفاهية و النغنغة السيريالية التي يعيشها الشعب ، و لكن الحقيقة هي أن الحكومة لم تستطع في كثير من الأحيان احتواء الحراك الاجتماعي فقامت بتغطيته عبر تصدير وهم التقدم الاقتصادي و الحماية الأمنية التي توفرها أجهزة الأمن ، فالحراك الشعبي رغم قلة تغطيته في جل مناطق الوطن يعد مؤشرا لخوف السلطة من ثورة لا يمكن التعامل معها نظرا لذهنية الجزائري الذي يأكل الأخضر و اليابس إن ثار .
إن استشهاد 257 فردا جلهم جنود في الجيش الشعبي الوطني بعد انطلاق الطائرة التي كانت تقلهم من مطار بوفاريك العسكري ، يعد حادثا أليما مس بقلوب الجزائريين جميعا نظرا لمكانة الجنود البسطاء في قلوب الجزائريين فلا تكاد تخلو أسرة من إرسال أحد أبنائها للقتال في صفوف حماة الوطن اللذين لا يختلف اثنان حول دورهم الهام في إبعاد نسبة كبيرة من الأخطار عن الجزائر و أبرزها الإرهابيين الوافدين من ليبيا و مكافحتهم فلول الإرهاب في الداخل الجزائري .
لا يمكن قراءة سقوط الطائرة بعيدا عن الأحداث الجارية في الجزائر لأنها ليست منفصلة عنها ، فالإيمان بقضاء الله أمر لا نقاش فيه ، لكن الترابط بين الحدث و ما سبقه و ما سيليه هو الأساس في أي تحليل يقدم لفهم القضية ، أما و أن يفصل الحادث عن الواقع الجزائري فهذا سيجعل فرضية الصدفة في السقوط هي الغالبة ليخفي الحقيقة التي ستنكشف يوما ما و أهم هذه التساؤلات:
– المؤسسة العسكرية تخضع لنظام صارم في الداخل يستحال خرقه أو التغافل عنه في ثانية ، فكيف تسمح بركوب هذا العدد الهائل من الركاب في رحلة واحدة ؟
– في الحادي عشر أفريل من سنة 2007 ضرب تفجير قصر الحكومة بقلب العاصمة ، و هو الذي يخضع لحماية أمينة مشددة حاله حال الطائرات العسكرية التي تخضع لمراقبة و صيانة دورية ، فهل وقوع الحادثتين في ذات اليوم يعد صدفة خيالية أم أن في الأمر إن؟
– خرج الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ليدشن مسجد كاتشاوة و خط ميترو جديد بتاريخ التاسع من أفريل ، و في اليوم الموالي سلم إرهابيان أنفسهما وسط بث بعض القنوات الإعلامية تقارير عن العشرية السوداء و مناداة حزب جبهة التحرير بترشح الرئيس لعهدة خامسة ، فهل سقطت الطائرة لتذكير الشعب الجزائري بأهمية بوتفليقة الأب الحنون العطوف الذي إن رحل فستهوي الجزائر إلى الجحيم .
أخيرا ، فان الفقراء هم نزهاء الأوطان و شرفائها اللذين دائما ما يموتون بهذه الطرق لتخلد ذكراهم ، أما البورجواز ففي قصورهم خالدون إلى الممات .
طالب جزائري
2018-04-12