جدلية الروح و التراب الجزء الثالث: عمق الهوية و تحدي الوجود!
زينب مهدي*
حدود العراق لا تكذب لكن خطّها قلمٌ بشري مستعمر جعلها مشحونةً دوماً بالتحالفات أو التوجس الأمني. لنرى كيف يتحرك هذا الجسد الرافديني غريزياً بين جيرانه.
نبدأ من أقصى الحافة المائية الجنوبية للعراق، متصلاً بالكويت حيث تنطلق الحكاية:
ثلاثة أرباع عوائل الكويت تعود بأصولها إلى الزبير والبصرة ونجد. قبائل بني مالك، والمنتفق (السعدون)، وعنزة تتوزع بين جنوب العراق والكويت. اللهجة البصرية و الكويتية تكادان تكونان واحدة، والديوانيات هنا وهناك تتشابه في القهوة والشعر والحديث. لكن شوهتها ندوب غـ ـزو عام 1990 ومصيدة التعويضات والديون. ورغم أن العراق أوفى ما عليه إلا أن صـ ـراع اليوم بين ميناء مبارك الكويتي و ميناء الفاو العراقي المحاصر بالمياه الكويتية و كلاهما يتنافسان على أن يكونا بوابة الخليج نحو العالم.
ومن ضيق الساحل نسترسل إلى رمال بادية السماوة والأنبار المشتبكة مع المملكة العربية السعودية. إذا وقفتَ عند منفذ “عرعر” الحدودي، فلن تجد فارقاً بين رجل يرتدي الشماغ الأحمر في الأنبار وبين عرعر السعودية. فشيخ قبيلة شمر في العراق هو ابن عم شيخ شمر في نجد و كانت تتنقل القبائل بإبلها طلباً للمرعى متجاوزة الأسلاك الشائكة.
لكن بعد عام 2003، تحولت الصحراء المشتركة إلى جدار من التوجس. كانت السعودية ترى في النظام الجديد امتدادًا للنفوذ الشيعي، فتدفق آلاف العابرين بأيديولوجيات مفـ ـخخة و فتاوي تكفـ ـيرية و اعلام يغذي الاقـ ـتتال الطـ ـائفي. وتسبب في جرح غائر بالوجدان العراقي.
وفي ذات السياق تنعطف الصحراء غرباً لتصل إلى الأردن حيث كانت القوافل والروابط العائلية تربط الأنبار بالمفرق وعمان، عبر قبائل بني صخر والمساعيد، والمسقوف والتاج الهاشمي قبل ثورة 1958.
اما قصة اليوم هي قصة الممر الآمن لأنبوب نفط البصرة-عقبة، التي استغلها الأردن ليفرض شروطاً تفضيلية يحصل بموجبها على النفط العراقي بأسعار زهيدة و إعفاءات جمركية مقابل أن يظل البوابة الغربية المستقرة التي لا تأتي منها ريح السموم. يُضاف إلى ذلك التوجس السياسي من كون عمان شكّلت تاريخياً حاضنة شعبية واجتماعية لرموز وعوائل النظام السابق بعد سقوطه.
و تمتد هذه البادية لتلتقي بطين النهر الجاري نحو سوريا، حيث تتقاسم عشائر الدليم والجبور وشمر الجربا ذات الوجع بنصفين بين القائم والبوكمال، حيث صدّر الانهـ ـيار الأمني السوري بعد 2011، وباء داع١١ش ليلتهم ثلث العراق، قبل أن تُعمد العلاقة بالد م مجدداً و تنحول الحدود إلى خندق أمني مشترك. الفصـ ـائل العراقية لم تتردد في عبور الحدود لتقـ ـاتل داخل سوريا لحماية الأمن القومي العراقي من الخلف. إنهما يتقاسمان نفس النهر (الفرات) ونفس الجفاف، وإذا عطشت دمشق، أجدبت أرض الرمادي.
و مع الارتفاع صعوداً نحو الشمال، تصطدم هذه الرمال ببرود الأناضول، لتنتقل الحكاية من صـ ـراع الممرات البرية إلى صـ ـراع الهيمنة المائية .
و إذا كانت الد ماء تتصل حالياً عبر العشائر التركمانية في كركوك وتلعفر (البيات وقره ناز) وامتداد القبائل الكردية (هركي والزيباريين) إلا أنه يقع تحت مقصلة تعطيش متعمد؛ إذ تحجز سدود تركيا العملاقة ما تجاوز 60% من حصة دجلة والفرات، تاركةً الأهوار تبكي جفافاً هجّر الفلاحين و يتعاظم هذا الفتور مدفوعاً بنخبوية سياسية تحن لـ الميثاق الملي وتعتبر الموصل و كركوك أرضاً عثمانية مستلبة، ورغم هذا تفرض البراغماتية الاقتصادية على بغداد السكوت، لتمرير مشروع “طريق التنمية” كونه الجسر البري الوحيد لربط موانئ الفاو بأسواق أوروبا.
و نرتد أخيراً إلى الجار الشرقي، و جبال زاگروس الشاهقة التي تفصل هضبة إيران المرتفعة عن سهول العراق الرسوبية.
في الجنوب تتقاسم قبائل بني كعب وبني مالك، الد م والأهوار بين البصرة والأهواز.. تجد هناك عشائر تتحدث العربية بلهجة بصرية، و يتقاسمون مع أهل العمارة مجالس العزاء، والفصل العشائري، ومصاهرات الد م.
أما ذروة التلاحم حين تذوب الحدود تماماً في طريق المشاية خلال زيارة الأربعين، حيث يتحول ملايين الزوار الإيرانيين والعراقيين إلى جسد بشري واحد يتقاسم الخبز والدموع.
و عندما كانت بغداد مهددة عام 2014، كانت طهران أول من فتح مخازن سـ ـلاحه وأرسل مستشاريه دون شروط (على عكس واشنطن). هذا الموقف رسخ القناعة بأن إيران هي حليف العقيدة والد م الذي لا يساوم في اللحظات الوجودية.
لكن القصة هنا مبنية على التناقض. إنه تداخل فريد. يتقاسمون المذهب والد م، لكنهما يتصارعان على السيادة وخطوط الغاز والمياه مما يخلق حالة من التجاذب الدائم بين الأخوّة وحذر الجيران.
وفي الختام، تتلاشى خطوط القبائل والجغرافيا عند اصطدامها بالهيمنة العابرة للبحار.ليس لأمريكا نسباً في الأنبار ولا مرقداً في كربلاء، لكنها تستعيض عن رحم الأرض بالدولار.
ففي كل صباح، يتحكم موظفو الخزانة الأمريكية بمقدار الدولارات التي تدخل البنك المركزي العراقي. أمريكا تستخدم هذا التقييد كأداة ضغط يومية، مما يولد نفوراً ومقـ ـاومة شرسة متجذرة في صدمة غـ ـزو 2003 ويزداد هذا النفور اشتعالاً بفعل الانحياز الأمريكي المطلق لصـ ـراعات المنطقة، مما يجعل القواعد العسكرية الأمريكية تبدو كخنجر مزروع في خصر البلد، يحرمه من استثمار أوراقه الجغرافية، ويحوله إلى ساحة حـ ـرب بالوكالة تحت ظلال سيوف عابرة للبحار
يتبع
2026-10-10