جدلية الروح و التراب، الجزء الرابع و الأخير: ثنائية السلوك و السياسة!
زينب مهدي
بعد أن أبحرنا في غياهب الروح، أبصرنا عناصر الهوية الوطنية و كشفنا ركائز التحالفات، وقرأنا مشتركاتنا الأزلية مع دول الجوار،(في مقالات “جدلية الروح و التراب” الثلاثة السابقة).لنغادر الآن المحاريب الساكنة للنظر والنظريات؛ و نخطوا أولى الخطوات:
المحطة الأولى: التخلية
لا يمكن لفردٍ أن يساهم في بناء أمة رصينة وهو ما زال أسيراً لـ”العصبية”. فالإنسان العاجز عن تهذيب نفسه، سيعجز عن صون مجتمعه و سيرى رذائل محوره فضائل، وفضائل الآخرين رذائل.يصف أمير المؤمنين الإمام علي (ع) حقيقة التعصب:”العصبية مِنْ مَصَائِدِ الشَّيْطَانِ»، ويؤكد الرسول صلى الله عليه و آله و سلم:
“الْحَقُّ ثَقِيلٌ مُرٌّ، وَالْبَاطِلُ خَفِيفٌ حُلْو”
المحطة الثانية: التحلي
بعد تخلية القلب من أدران الأنانية، تفرض مدرسة أهل البيت (ع) زراعة الفضائل المبدئية التي تحول السلوك الفردي من مجرد الكف عن الإساءة إلى طاقة متحركة من النزاهة و العدالة؛ فلا يداهن في باطل، ولا يخذل صاحب حق، وبذلك تولد اللبنة الآدمية الرصينة المؤهلة للنزول إلى الساحة الاجتماعية.
حيث يقول جل وعلا:وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ
المحطة الثالثة: التجلي
هنا ينتقل الفرد من التقويم الذاتي إلى الاندماج الاجتماعي و بناء الدولة؛
تجتمع هذه اللبنات لتشكل كتلة واعية و مقـ ـاومة، ترفض البغي والاستكبار، و تحمي قراره القومي وثرواته من الخنق أو الارتماء في أحضان القوى الخارجية.
و هنا يدفع الإمام علي (ع) نحو التعصب الإيجابي المحمود الذي يصنع سيادة الأمة:”فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ، فَلْيَكُنْ تَعَصُّبُكُمْ لِمَكَارِمِ الْخِصَالِ، وَمَحَامِدِ الْأَفْعَالِ… مِنَ الْحِفْظِ لِلْجِوَارِ، وَالْوَفَاءِ بِالذِّمَامِ، وَالطَّاعَةِ لِلْبِرِّ، وَالْمَعْصِيَةِ لِلْكِبْرِ”.
المدارس الغربية تصنع أنظمة براغماتية تتخلى عن حلفائها وجيرانها عند أول منعطف اقتصادي أو عسكري، بينما النموذج الذي يطرحه الإمام علي (ع) لم يكن مجرد مدونات نظرية، بل طبقها في أعقد الظروف السياسية والعسكرية.
حين تولى أمير المؤمنين الخلافة، أشار عليه بعض الساسة البراغماتيين (كالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) بمداهنة معاوية وإبقائه على ولاية الشام مؤقتاً حتى تستقر له الأركان و تثبت الدولة
رفض الإمام وقال كلمته الخالدة: “مَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً”. لأن الدولة التي تبدأ بالمداهنة والتنازل عن مبادئها تفقد شرعيتها الأخلاقية أمام أفرادها، وتصبح هشة سهلة الاختراق من القوى الاستخبارية.
كل الفئات تتفق في حب العراق وتتوق للخدمات، والإعمار، والسيادة بلا ريب، و المسير واضح لا يخطئه بصير، فلماذا إذن نضل الطريق و نستهدف البعض؟ هذا التساؤل المأزوم يكشف عن الفجوة العميقة بين نقاء الغايات ونزاع الوسائل.
المشكلة الحقيقية من منظور اهل البيت لا تكمن في نبل الهدف بل في “احتكار الحقيقة”. عندما كل فئة تقع دون أن تشعر في شرك “العصبية” يتحول الفكر الفرعي إلى “مقدس”، ويصبح الاختلاف خيانة و يُعمي القلوب عن رؤية الصواب في معسكر الآخر، فيرى نفسه هو الوحيد الذي يصلح لبناء السيادة ثم يسقط المجتمع في فخ الحـ ـروب النفسية التي يغذيها الاستكبار الخارجي. سُئِلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) عَنِ الْعَصَبِيَّةِ، فَقَالَ: الْعَصَبِيَّةُ الَّتِي يَأْثَمُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا أَنْ يَرَى الرَّجُلُ شِرَارَ قَوْمِهِ خَيْراً مِنْ خِيَارِ قَوْمٍ آخَرِينَ، وَلَيْسَ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَهُ، وَلَكِنْ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُعِينَ قَوْمَهُ عَلَى الظُّلْمِ
فالدولة الرصينة لا تبنى الا بتكامل مصادر القوة الوطنية؛ فالمـ ـقاومة تحمي الظهر ميدانياً وسياسياً، والوطني يبني المؤسسات والخدمات، والقومي يصون المشتركات والروابط.
هذه المدينة الفاضلة تبدو مستحيلة المنال، لكن ربما تكون البداية، حتى لو بقائد واحد.
يثبت التاريخ أن السيادات العصية على الانكسار لم تولد بقرارات جماعية، بل انبثقت من روح قائد واحد استأصل العصبية من ذاته أولاً، وتحرر من غبار الفوضى والشعارات، فتحول إلى حصن تلتقي عنده قلوب المخلصين. فتبدأ المسيرة بفرد، لتنتهي بوطن يمتلك كامل سيادته وأمن شعبه و “لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
2026-10-11