جبروتنا المهدور!
ابو زيزوم.
عانى احد الشيوخ من ابنٍ له كثير الحركة واسع الطموح لا يكف عن الأسفار وملاحقة التطورات العلمية والتقنية من حوله . الأب لا يريد لإبنه اليافع الخروج من المزرعة الحافلة بالأشجار لكن تطلعات الابن تنذر بركوبه مخططات قد تقلب المزرعة رأساً على عقب . كان مستعداً لدفع نصف ثروته مقابل ان يلزم الابن الحرك بالبقاء داخل الأسوار ، غير ان احد الاذكياء وعده بخطة تربط الابن بالمزرعة دون ان يدفع نصف ثروته او عُشرها . نصحه بأن يشتري للإبن اليافع مجموعة ملونة من الماعز تشغله عن أشياء كثيرة . ولقد اشترى له المعزى وفرح بها الشاب كما كان يفرح بكل جديد يطرأ على المزرعة ، الا انه وعلى خلاف المستجدات السابقة لم يملّ المعزى بعد حين وانما زاد تعلقه بها خصوصا وانها تتوالد وتتغير في كل يوم . لقد استوعبت تلك الحيوانات الجميلة جميع طاقاته وتطلعاته وصار ينفق على رعايتها كل وقته فلا يبقى لديه وقت إضافي او طاقة زائدة كي يوجهها الى أشياء اخرى . والوالد جالس في الشرفة يضحك ملء شدقيه لهذه الخطة الجهنمية التي قيدت ابنه من غير حبال واستعبدته .
ولقد كان الغربيون قلقين من الطموحات العربية ايّام صراع هذه الأمة مع الاستعمار والصهيونية . كانوا مستعدين لتقديم تنازلات كبرى مقابل الحد من زخم الطموح العربي ، فجاءهم من يقول لهم لا تقدموا اي تنازل ولا تدفعوا اي ثمن فقط اشعلوا فتيل الطائفية بينهم وهي تتكفل بفعل كل ما عجزتم عن فعله . سينشغلون ببعضهم الى اجل غير مسمى ويحققون لكم أشياء ما كُنتُم تحلمون بجزء منها . وهكذا كان .. وأشعلوا جذوة الطائفية وجلسوا في الشرفة يتفرجون والضحك يدغدغ حلوقهم .
والمضحك المبكي ان الذين كانوا يحذرون في القرن الماضي من دسائس الاستعمار ومحاولاته الخبيثة لإيجاد الفتن في جسد الأمة أولئك أنفسهم يتقدمون الصفوف الطائفية الان بحماس جبار مبشرين بأن امريكا وإسرائيل ستقدمان الدعم المطلوب لـ ( الجماهير العربية ) كي تنتصر على ( الأعداء ). طبعاً وهم غارقون الى الأذنين في خضم الطائفية لا يعترفون أبداً بأنهم طائفيون بل يزعمون انهم يحاربون الطائفية . والحقيقة لا احد يعترف بأنه طائفي فالجميع يحاربونها او هكذا يقولون . فمن هو الطائفي إذن ؟. الطائفي وبإختصار شديد هو كل من يحاول إلصاق صفة الطائفية بالطرف الاخر . الشيعي الذي يتهم جهات سنية بالطائفية ويبرّىء نفسه ذاك هو النموذج المثالي للإنسان الطائفي . والسني الذي يتهم جهات شيعية بالطائفية ويبرّىء نفسه هو النموذج المثالي للطائفية . أما البريء حقاً من الطائفية فهو الذي يعتقد ان الطائفية مثل الزنا لا يمكن ان تتحقق الا بوجود طرفين ، فإذا امتنع احدهما لا تكون طائفية .
الطائفية شكل من اشكال العصبية التي نهى عنها الرسول الاكرم في قوله ( ليس منّا من دعا الى عصبية) لا تختلف عن العصبيات القبلية ، انها انحياز مطلق لا مكان فيه للعقل والحق . والنتيجة معروفة لقد احتربت القبائل العربية منذ الجاهلية الى العصر الحديث تتبادل الغزوات وتكيل القصائد ، فهل سمعتم ان قبيلةً قضت على القبيلة الاخرى ؟ لكن الصراع يستنفد جميع الطاقات والمشاعر والدماء ليزرعها في حقل عقيم لا يُنبت شيئا مثمراً ، تماماً كما استنفد الماعز طاقات ومشاعر ابن الشيخ وأقعده في المكان .
انا متأكد بأن الذين سيقرؤون منشوري هذا سيؤيدون كلامي بالإجماع او بما يشبه الإجماع . وطبعاً ليس الكل سالمين من الطائفية وانما لأن المصابين بالمرض لا يدرون انهم مصابون. الطائفية مثل السكري والضغط قبل تطور اجهزة الكشف الطبي ، يموت المصابون وهم لا يدرون انهم مرضى. والى ان تخترع اجهزة الكشف عن داء الطائفية جرّبوا اختراعي أعلاه لتتأكدوا هل حالتكم إيجابية ام سلبية . فكل من يعتقد ان الطائفية موجودة عند الطرف الاخر وهو سليم فإنه غير سليم الا من رحم ربي .
( ابو زيزوم _ 892 )
2020-10-03