ثمن الموقع الاستراتيجي لتركيا!
ابو زيزوم
منذ ان تشكلت الدولة التركية الحديثة وهي تنعم بأهمية موقعها الاستراتيجي. مئة عام وهي مدللة لدى الغرب مراعاةً لأهميتها الاستراتيجية. لقد جاملها الغرب يوم تحدّت اليونان عسكرياً عام 1974 واحتلت شمال قبرص، وجاملها ضد الاكراد عام 1999 وسلّمها راس عبد الله اوجلان، وتغاضى عن علاقاتها المتميزة بإيران وكسرها الحظر المفروض على الاخيرة في اكثر من مجال، فهل يضحي اردوغان بتلك المزايا لأجل الانتخابات؟ هذا ما سنعرفه خلال اسابيع.
السبعون عاماً الاولى من عمر الدولة التركية كانت فيها تركيا تتمتع بأهمية قربها الجغرافي من قلب الاتحاد السوفييتي، وخاصةً بعد الحرب الثانية وتشكل الحلفين (الناتو ووارشو). لذلك لم يحرك الغرب ساكناً وهي تجتاح قبرص، بل وكلما أثيرت قضية الاعتراف بإبادة الارمن تجهضها اللوبيات اليهودية. فلما فقدت تركيا هذه الاهمية عام 1991 بتفكك الاتحاد السوڤيتي وحلف وارشو منّ القدر عليها وفي نفس التوقيت بأهمية جديدة لا تقل عن سابقتها في نظر الامريكان عندما اصبحت حجر الزاوية في الحصار على العراق وحماية الحظر المفروض على شماله. وتلك هي المرحلة التي ضحت فيها اسرائيل بأهم حليف اقليمي وقدمت اوجلان للاتراك على طبق من ذهب تثميناً للدور التركي ضد العراق. لكن تركيا فقدت تلك الاهمية بمجرد احتلال العراق فاستعاد الاكراد موقعهم الاستراتيجي عند الامريكان وأقر الكونغرس لأول مرة مذبحة الارمن لتتبعه برلمانات غربية عديدة.
ولم تدم هذه الانتكاسة التركية سوى بضع سنوات عندما اندلعت الحرب في سوريا واستعادت تركيا موقعها كأهم لاعب في سياسة الولايات المتحدة الشرق اوسطية. وهل يمكن تصور ان يحقق الامريكان ما حققوه من تدمير سوريا لولا الدور التركي!. هكذا اخذت تركيا تمارس دور الشرطي في العراق وسوريا وشرق المتوسط امام صمت غربي مطبق. فهل اقترب هذا العهد من نهايته؟.
الان لا يمر يوم الا ونسمع تصريحاً تركياً عن مساعي التفاهم مع الاسد. واذا فعلها اردوغان فسيبوء بغضب امريكي اسرائيلي غير مسبوق. ولقد ظهرت بوادر ذلك منذ الان بترسيم مصر حدودها البحرية مع ليبيا من طرف واحد، وحديث اليونان عن مد مياهها الاقليمية اثني عشر ميلاً بحرياً والذي يعني عملياً اغلاق بحر ايجة امام الاتراك، ويفقد مضيقا البسفور والدردنيل قيمتهما كممرين تركيين خالصين لأن كل سفينة تعبرهما تصبح مجبرة على دخول المياه اليونانية حتماً.
لحق بتركيا غبن عظيم في ترسيم حدودها البحرية مع اليونان وكانت متغاضية عنه طوال مدة دلالها عند الغرب وكأنها توهمت ان هذا الدلال سيدوم الى الابد، واذا أقدمت على التصالح مع الاسد وتحدي السياسة الامريكية في هذا البلد فإن امراضها المزمنة سيجري تفعيلها. والقرار بيد اردوغان أن يُغلّب مصلحته الانتخابية او مصلحة بلاده.
( ابو زيزوم _ 1375 )
2023-01-14