تونس : عبير موسى و قيس سعيد ، مسألة رؤية و مبادئ!
بقلم أحمد الحباسى*
عبير موسى و قيس سعيد ، مع حفظ الألقاب ، خطان سياسيان لا يلتقيان و بين الشخصيتين خلافات حول المشروع و الرؤية و المبادئ ، السيدة عبير موسى لا يمكنها أن تلتقي سياسيا و منهجيا مع الرئيس قيس سعيد و العكس صحيح أيضا لذلك يجمع المتابعون أن هذا الخلاف سيستفحل نظرا لطبيعة مزاج الشخصيتين و عنادهما رغم أن هناك من يحبذ أن يسعى الرئيس بصفته العنوان الجامع كما هو مفروض في رئيس دولة إلى محاولة فتح حوار مع رئيسة الحزب الدستوري الحر خاصة في ظل توسع الشرخ بينه و بين كل مكونات المجتمع التونسي و في ظل ما تعانيه تونس من عزلة خارجية خانقة على كل المستويات. الرئيس قيس سعيد و رغم مكابرته يعانى من عزلة شاملة بدليل أن قصر قرطاج لا يؤمه إلا النزر القليل من الوزراء و بعض القيادات العسكرية و الأمنية و حتى زياراته إلى بعض المناطق لم تدفع المواطنين إلى منحه شرعية شعبية خاصة و أن الجموع المستقبلة لا تتعدى بعض المتطفلين و المارة و العاطلين عن العمل .
تعتبر السيدة عبير موسى أن الخطر الحقيقي الذي يواجه استمرار النظام الجمهوري هو فكر الإسلام السياسي الذي تمثله حركة النهضة بقيادة الشيخ راشد الغنوشى و التي لا يختلف اثنان بكونها حركة منبوذة مرتبطة بالصهيونية العالمية و لها علاقات مشبوهة مع عدة دول و جهات خارجية متآمرة على تونس و على هذا الأساس فانه يجب اجتثاث هذا الورم الخبيث كما وصفه الشهيد شكري بلعيد الذي اغتالته الحركة في محاولة ترهيب لجبهة المعارضة لحكمها المتكونة من كل القوى الحية فى البلاد. ترى السيدة عبير موسى فى هذا السياق أنه لا يمكن الإبقاء على تواجد مكتب هيئة علماء المسلمين الذي يقوده الشيخ الراحل يوسف القرضاوى و الذي تشير كل المعلومات و الدلائل أنه مقر معد للتخابر و التجسس و الأمر يحتاج إلى إرادة سياسية صادقة لا يملكها السيد الرئيس لاتخاذ القرار بتفتيش هذا المقر و طرد كل العاملين فيه و ربما محاكمتهم بتهمة التجسس و التآمر على أمن الدولة إضافة إلى تكوين عصابة بغاية بث الفوضى و نشر الفكر التكفيري.
تقف السيدة عبير موسى علنا و دون أي التباس ضد ما يسمى بالمدارس القرآنية و الجمعيات الخيرية المشبوهة و بعض الدكاكين التي تمولها قطر لممارسة الدعارة الإعلامية و السياسية و التي تحولت إلى مغارات على بابا تمارس فيها كل الأفعال الشيطانية و التجاوزات الأخلاقية و المؤامرات الخبيثة و باتت من أهم خزانات النهضة في انتداب الإرهابيين و تسفيرهم إلى سوريا و غيرها من بلدان العالم و على هذا الأساس فان السيدة عبير موسى لا تنظر بعين الرضا إلى تجاهل الرئيس لهذا الخطر الداهم و الدائم بحيث لم يعد و منذ عملية الرقاب الشهيرة هناك حديث عن هذا الخطر الجسيم رغم تواصل تواجد الجمعيات ” الخيرية” و ” المدارس القرآنية ” . لقد تبين مع الوقت أن السيد الرئيس لا يقيس خطر حركة الإسلام السياسي أو خطر نمو و تواجد المدارس القرآنية و الجمعيات الخيرية بنفس آلات القيس الإستراتيجية و السياسية التي يعتمدها الحزب الدستوري الحر و أغلبية الشعب التونسي و التي تجلت في اعتصام الرحيل و عند اغتيال الزعيمين شكري بلعيد و محمد البراهمى و حادثة باردو الشهيرة .
في الجانب الاقتصادي لا توجد أية نقطة التقاء بين مشروع اقتصادي سطره كبار العارفين و المختصين في الاقتصاد في تونس و أعلنه الدستوري الحر في عدة مناسبات و بين انعدام الرؤية الاقتصادية لدى السيد الرئيس و الذي يتعامل مع الموضوع رغم أهميته بمنطق كل يوم و يومه . ربما سيذهب البعض إلى القول أن الأمر طبيعي لكن من الواضح أن السيدة عبير موسى و خلافا لرؤية السيد الرئيس فإنها ترى أن عدم وجود مشروع واضح للحكم قابل للتطبيق خاصة فى الجانب الاقتصادي سيؤدى إلى كارثة اقتصادية و اجتماعية و أمنية تضر بالسلم الاجتماعية و تعطى الفرصة للمتآمرين داخليا و خارجيا لإضعاف البنية الذهنية للمواطن التونسي تجعله يرتكب كثيرا من الحماقات من بينها الاعتداء على الممتلكات العامة و الخاصة الأمر الذي سيؤدى ربما إلى حرب أهلية تقوض كل دعائم النظام الدستوري برمته . من الواضح أن الخلاف بين الطرفين ليس خلافا شخصيا بل هو خلاف مبدئي حول طريقة و آليات الحكم بين شخصية سياسية تملك رؤية واضحة بحكم موقعها السياسي في نظام الرئيس الراحل زين العابدين على و بين شخصية أكاديمية عامة كانت مجرد علاقتها بالاقتصاد علاقة عرضية.
بطبيعة الحال تختلف السيدة عبير موسى مع السيد الرئيس قيس سعيد فى عناوين كثيرة إن لم نقل فى كل العناوين و من بينها قيامه بالانقلاب على الدستور و كتم الأصوات المعارضة و تسييس القضاء إضافة طبعا إلى رفض الرئيس عمليا وضع حجر الأساس لمؤسسة المحكمة الدستورية و ضرب استقلالية الهيئة المستقلة للانتخابات و السعي إلى ترسيخ ثقافة أنا أو لا أحد أو ثقافة ما القول السديد إلا ما أقوله أنا و هو ما تفسره كثرة الإيقافات التي شملت عديد الأصوات التي تمثل الطيف الإعلامي إضافة الى تنصيب نفسه قلم إدعاء و قلم تحقيق و قضاء جالس في تضارب صارخ مع مسألة فصل المسؤوليات و استقلالية الجسم القضائي و حق المواطن في المحاكمة العادلة دون تشهير أو محاولة انتقام أو محاكمة بالرؤية أو على الهوية. لعل السؤال الأبرز الذي يجب طرحه يتعلق حول حصيلة حكم الرئيس قيس سعيد و هي حصيلة يجمع الكثيرون أنها حصيلة سلبية في كل العناوين و أن تونس اليوم بالإضافة إلى تردى أوضاعها الاقتصادية بشكل مرعب فهي دولة معزولة عن محيطها لا يلتفت إليها أحد رغم موقعها الجغرافي بسبب رؤية إستراتيجية عقيمة للسيد الرئيس الذي لا يرى حرجا في استمرار الوضع من سيء إلى أسوأ.
كاتب و ناشط سياسي .
2024-06-20