تولد”الحركةالوطنيه العراقية”اولاعراق/2!
عبدالاميرالركابي*
وجدت “الحركة الوطنيه العراقية البرانيه” الايديلوجية بنمطها الحزبي، المفتقد لاي حضور فكري متناسب ولو بالحد الادنى مع كينونة الموضع المولودة في رحابه، وتعبيرا عنه كما مفترض، ضمن اجواء وسياقات اللقاء الاول مع الغرب بصيغته الاحتلالية قبل الفاعلية المفترضة والاصطراعية المتوقعة ومترتباتها، فالعراق لم يعرف فعليا مايمكن نسبته الى المعروف في العالم الشرق متوسطي/ العربي ب “النهضة” الزائفة المصرية الشامية، ولم تكن لاجمالي التحركات والافكار التي وجدت بدفع من الظاهرة الحداثية الغربية في المنطقة، سوى اصداء ضعيفة ومحدودة للغاية، مجالها حين توجد البرانيه البغدادية، من دون حضور للذاتية، الامر الذي تغير وانقلب، مباشرة بعد عامي 1914/ 1917 وماقد اعقب ثورة 1920 اللاارضوية غير الناطقة، الحدث الشامل المميز للوضع الناشيء ولاجمالي ممكنات الافكار، ومايعود لاثر المتغيرالانقلابي الالي الاوربي وانعكاساته.
وبالمقارنه باشتراطات واليات ثورة حزيران 1920 وهي ثورة من دون حركة وطنيه، فان الحركات التي بدات تتشكل كمحاولات اولية في بغداد عاصمة الامبراطورية العباسية القرمطية المنهارة، وان تكن فاشلة، مثل محاولة حسين الرحال اقامة حزب شيوعي، او محاولات اقامه حزب البعث، قد وجدت محكومة للسردية والمروية الاستعمارية الانكليزيه بما خص العراق وتاريخه الحاضر “الحديث”، مكررة بذلك ذات الايقاعية البرانيه التي يعيش العراق تحت وطاتها منذ الاحتلال المغولي لبغداد، وصولا للعثمانيين، ومن ثم الانكليز، بالمقابل ومع ان العراق الحالي الحديث كان قد بدا بالتشكل في دورته الراهنه الثالثة منذ القرن السادس عشر، الا ان ثورة العشرين التشكلية الجنوبيه وجدت وظلت بلا نطقية، لياتي الايديلوجيون ويلحقوها بسرديتهم المفبركة من قبيل المصادرة، ويسبغون عليها صفاتهم مستغلين لانطقيتها، فيرونها ويرلنديا، وبحسب الاسس الموضوعة من قبل المحتل للكيانيه العراقية المصطنعة، تلك التي اضطر لاعتمادها لاجل البقاء مع ماممكن من النفوذ في العراق، ونبعت من نوع معتقده وتصوراته عن الكيانات والامم، واجمالي الوضع العالمي نموذجيا ومفهوما.
ولم تكن الظروف وقتها تسمح بانبثاق ما يعود الى النطقية المغفلة المؤجله تاريخيا، في موضع تكوينه يتعدى الطاقة المتاحة عقليا على الادراك حتى الساعه، وهو مااستمر على مدى دورتين تاريخيتين، انتهت الاولى بسقوط بابل، والثانيه بسقوط بغداد، اتفاقا وماكان يتناسب واشتراطات اليدوية الانتاجية ومترتباتها المجتمعية، وهي ذاتها التي ظلت مستمرة من سقوط بغداد عام 1258 الى الاحتلال الانكليزي عام 1917، حين تبدا وقتها اشتراطات التفاعل مع الانقلابية الاليه والاصطراعية التي تواكبها، وفتراتها، قبل دخول عالم الرد على المنقلب الحاصل، واثره على البنية المجتمعية بما هي بنية تاريخيه ازدواجية امبراطورية سماوية لاارضوية / ارضوية متعدية للكيانوية الارضوية، ليس لصلتها واصدامها بالتحول الالي، وماينجم عنه وشكل حضوره، ذات النتائج والحصيلة المتوقعه .
ومن الواضح ان ثمة حاجه ملحة وواجبه لهذه الجهه تستدعي اعادة صياغة السردية التاريخيه الحديثة العراقية، من اهم مرتكزاتها التفريق بين محطتين ومرحلتين مختلفتين نوعا، الاولى التشكلية التاريخيه اليدوية، او التي تحكمها اشتراطات الانتاجية اليدوية، و ثانيه هي التي تبدا مع المتغير الالي والانخراط ضمن مجرياته وبحسب ماممكن وما متاح بحسب نوع التفاعلية مع الطور الانقلابي الجديد، والغريب لهذه الجهه ان من نظروا في تاريخ العلاقة بالغرب واستعماره، لم يخطر ببالهم ان يلاحظوا بان صدامهم مع المحتل هو صدام مابين مجتمعية يدوية واخرى اليه، وجدت وتمكنت من الوصول وبسط سيطرتها او محاولتها التي من هذا النوع بفعل تسارع الديناميات التي حلت عليها وعلى مجتمعاتها، والاشد غرابة ان يذهب هؤلاء بلا استثناء، للنظر للصراعية المنوه عنها وكانها صراعية بين طرفين من نفس النوع، وان الطرف العراقي او حتى المصري، هما مجتمعين “طبقيين” وحداثيين ينتميان لذات التكوين وذات المرحلة التاريخيه.
ففي العراق كمثال لانعدم من يقول، وهو قيادي شيوعي، مستعملا المصطلحات الحداثية الطبقية بان ثورة العشرين هي “ثورة وطنيه عامه” وان هدفها المباشر كان “التحرر من الاحتلال البريطاني والحكم الكولونيالي، واقامة دولة وطنية ديمقراطية وعصرية”(1) بمعنى ان حملة المكوار والفالة، كانوا بالاحرى يهدفون لاقامه دولة شبيهه بالبريطانيه والفرنسية والالمانيه، الامر الذي لايمكن وصفه باقل من التخريف التوهمي المتضارب مع ابسط مقومات النظر المجتمعي التاريخي العقلاني، وهنا تتمثل السقطة المنظورية الاقصى والاكثر دونية، المعادية للذات والمنفصلة عنها، والزائفة الزائغه المتعكزه على نمطية عدوها، وعلى التشبه به من دون دليل، فالمعروف ان هؤلاء من الايديلوجيين لم يحدث اطلاقا ان حاولوا التساؤل بخصوص واقعهم مقارنه بواقع الجهه التي جاءت كي تحتلهم، فالحقوه بالمحتل معتبرينه صنوه ومثيله، الامر المستحيل ان لم يكن المثير للسخرية المرة، بظل الافتقاد لابسط شروط الالتزام بحكم الاليات التاريخيه الانتقالية ومحركاتها.
اما كان المفترض ان نقف وقتها لنقول بان الجانب الاستعماري هو جانب يتمتع مجتمعيا بقوة فعالية الالة، واننا مانزال وان كان لنا قانون حركتنا التاريخيه، مانزال يدويين ولانملك من الاسباب او الارضية مايضعنا بصف المجتمعات الالية وماطرأ عليها من متغير مازال قيد الاختبار، بالاخص من ناحية الديناميات الناظمه للحركة التاريخيه المجتمعية، بما يجعل مسالة الانتقال الالي الطاريء على المعمورة والمنبجس في موضع بعينه، اكثر من حالة وشكل ونوع، فليس كل المجتمعات هي غرب اوربي، اي مجتمعات طبقية، كما ان المجتمعات ليست كلها مستعدة حكما وذاتيا للانتقال الى الالة، وهو مالادليل عليه، بما قد يجيز الاعتقاد بان مسالة الانتقال التاريخي من اليدوية الى الالية، ليست واحده، ومترتباتها وما تتمخض عنه ليس هو نفسه في الحالات جميعا، خصوصا وان ثمة اشتراطات انتقالية برانيه اكراهية، هي المسلطة على البلدان التي لم تعرف الانتقال الالي البرجوازي، حصيلتها وماينجم عنها ليس بالحتم، ولن يكون على الراجح نفس ذلك الذي حصل في اوربا المنطلق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) زكي خيري / مقدمة كتاب( من تاريخ الحركة الثورية المعاصرة في العراق 1920 ـ 1958) لسعاد خيري/ ج1 ط2/ دار الرواد للطباعة/ بغداد ص3.
يتبع
2024-06-07
