تهامة المغلوبة على أمرها: ذكريات يوم واحد!
علي محسن حميد
حفزتني فيضانات تهامة المدمرة في اليومين الماضيين على الكتابة عن زيارة جزء منها في عام ١٩٨٨ لايزال ماشاهدته وماسمعته فيها محفورا في ذاكراتي وكأنه حدث بالأمس. عرض الصديق طاهر علي سيف آنذاك استضافتي في شاليهات كان يبنيها في منطقة “الفازة” وظننت أنها جاهزة فحزمت أمري وأخذت زوجتي وطفلينا غسان ورانيا وذهبنا إلى هناك في الإجازة الدراسية. ساعدنا في الوصول المهندس عبد المؤمن هزاع الذي سكنت وإياه في عمارة واحدة بحي المنيل في القاهرة أثناء دراستنا في ستينيات القرن الماضي وكان يعمل في مشروع وادي زبيد وفي القاهرة كان من أشد خصوم الحزب الديمقراطي ثم حول الواقع في اليمن موقفه ١٨٠ درجة. الفازة قرية صغيرة تتبع إداريا مدينة الخوخة وفي يوم الزيارة رأينا الخوخة منها ولكننا لم نر الشاليهات وما رأيناه هو عشش تهامية غير مكتملة البناء بنيت خصيصا للسائح الأجنبي. قررنا قضاء يوم ثم نعود إلى الحديدة. رأينا سكان الفازة سيئي التغذية نحيلي الأجساد، يصطاد شبابهم السمك من مكان قريب جدا من الشاطى وشاهدنا سمك الجمبري يتحرك أمامنا في ماء البحر الصافي. تحدثت مع بعض شباب الفازة الذين لم يكن بينهم شخصا واحدا من كبار السن، وسألتهم عن أحوالهم فقال أحدهم هنا نتزوج في عمر الحادية عشر سألت لماذا، قال لأن عمرنا قصير وقد لايتجاوز الأربعين. عن معالجة مرضاهم بغياب أي مؤسسة صحية عندهم قال أحدهم الذي معه فلوس يذهب إلى الحديدة سألته كم يملك هذا المحظوظ؟. رد، بالكثير عشرة ألف ريال ومن لايستطيع الذهاب إلى الحديدة بم يتعالج؟. قال بالأكل، نهتم بتغذيته وقد يُشفى أولا يشفى. وأضاف أن الغني فيهم يحصل على أمواله من التهريب بالبحر إلى السعودية. لاحظت ونساءهم النحيلات يضعن السمك في التنور (الطبون) أنهن يضعن الأصغر والأرخص أما السمك الذي يمكن تسويقه خارج الفازة فاللغير. قلت له إني ألاحظ أنه لايوجد دكان عندكم لمتطلباتكم التموينية اليومية فرد بأن شخصا يأتي من حين إلى آخر على حمار يحمل موادا تموينية ونشتري منه مانحتاج . سألته عن سبب عدم رؤيتي لمدرسة واحدة في الطريق من زبيد حتى الفازة فرد بأن الثورة لم تصل الينا حتى الآن. وشكى أحدهم من محاولة أحبطوها للاستيلاء على أرضهم من قبل رجل أعمال كان يريد طردهم منها وتحويلها إلى منطقة سياحية.سألت عن مدير الناحية وتعامله معهم فقال إذا كان من الجبالية فياويلنا أما إذا كان من تعز فهو أقل بطشا، وسألت عن إسم مدير الناحية فقال من بيت الشايف. وبعد سنوات تحدثت مع الراحل د. عبد الكريم الإرياني في منزله عما سمعته في الفازة وقد أضاف بأن الرئيس الراحل علي صالح الذي كان لايزال في السلطة عيّن نجل الشايف محل والده بعد وفاته. قبل مغادرة الفازة لاحظت أن الشاب السمين الذي حمل سمك الفازة داخل خُرج فوق موتور سيكل لبيعها خارجها قد عاد والخُرج مملوء بالقات لاستعادة مادفعه للفازيين من أثمان للسمك مما يجعلهم يعيشون عيشة كفاف ضنكاء ويسهم في عللهم وقِصَر أعمارهم. هذه هي تهامة المظلومة عبر التاريخ التي تحول بعض سكانها من ملاك إلى أجراء في المزارع التجارية التي كانت أرضهم واشتراها أباطرة الفساد من أموالنا بأثمان بخسة.
كارثة اليوم وهل يوجد حل جذري؟.
نعم.. أولا أن تعلن السلطة الحاكمة أن تهامة وحجة وغيرهما كمقبنة مناطق منكوبة وتجهز مااستطاعت من عون عاجل وتستعين بالدول الشقيقية وبالمنظمات الدولية لتذويب رأس جبل ثلج هذه النكبة.ثانيا: أن تعطى تهامة الأولوية في التنمية لإزاحة ظلم وتهميش قرون لم تحظ فيها تهامة حتى بأنّةٍ تهامية كأنّة النعمان الأولى مما سهل التعامل معها كمنطقة هامشية ولقمة سائغة يسهل استغلال أهلها وأراضيها. إن الفيضانات الأخيرة أكثر من جرس إنذار لوضع خطة لتطويرها عمرانيا وخدميا واقتصاديا بالاعتماد على مايتوفرلديها من موارد وهي كافية لتعميرها ومنها الدخل الجمركي لميناء الحديدة والثروة السمكية وأراضيها الخصبة وتشجيع السياحتين الداخلية والخارجية في بيئتها المسالمة وفي وشواطئها ووضع خطط لتطوير الزراعة فيها وهي التي تسمى ب”معدة اليمن”. حان وقت العمل في تهامة.
2024-08-08
