تعزيز الوحدة الوطنية بين الفدرالية والمركزية، (1)!
د. عامر حسن فياض
إعداد وتلخيص : علي رهيف الربيعي*
ان ماهية الفدرالية تتحدد بدلالة كونها شكلا من أشكال السلطة السياسية يقوم على اساس توزيع وظائف السلطة دون تركيز أو تركزها بيد فرد او اقلية ، حيث أن السياسة هي ” فن إدارة الشأن العام”، وبقدر تعلق الأمر بماهية الفدرالية فإن أمرها يتصل بشكل سلطة الهيئة التي تدير الشأن العام، اي السلطة السياسية. وللأخيرة أشكال متعددة تتراوح بين السلطة ذات الشكل المركزي ( سلطة الدولة الموحدة البسيطة) والسلطة ذات الشكل اللامركزية ( سلطة الدولة الفدرالية وسلطة الدولة الكونفدرالية). وهنا فإن الفدرالية هي شكل من أشكال السلطة اللامركزية. وبالإمكان تحديد ماهية الفدرالية بدلالة المفهوم المقارب لها والمتميز منها ، ألا وهو مفهوم الدولة الكونفدرالية . فإذا كانت الكونفدرالية تمثل شكلا لسطة دولة لامركزية واسعة فإن الفدرالية تتمثل أيضا بشكل لسلطة دولة لامركزية ولكنها مركزية نسبية. ففي الفدرالية هناك علم واحد للدولة الفدرالية وجيش واحد وتمثيل خارجي واحد وبرلمان فدرالي واحد مع برلمانات للإقليم وشرطة فدرالية واحدة مع مؤسسات شرطة ممثلة للإقليم وخزينة فدرالية واحدة مع وجود خزائن محلية للإقليم . بينما الكونفدرالية تعبر عن اتحاد وحدات سياسية مستقلة ( دول) لكل وحدة علم خاص وجيش خاص وتمثيل خارجي خاص وشرطة خاصة بها ، غير ان هناك شكلا من أشكال التنسيق بين دول الاتحاد الكونفدرالي.
إن أهمية الكونفدرالية تتأتى من حيث المبدأ من ضرورة الإنتقال من مجتمع الوحدة السياسية ( الدول) المتنوع اللامتجانس قوميا ودينيا إلى مجتمع متنوع متجانس ضمن إطار وشكل من أشكال الوحدة السياسية التي تسمى بشكل الدولة الفدرالية. ويشير الباحث إلى أن النظم الفدرالية تتكون بطريقتين :
الأولى : طريقة إتحاد دولتين أو أكثر ، وفي هذه الحالة فإن الدول التي كانت مستقلة وتدخل الاتحاد الفدرالي تفقد شخصيتها القانونية الدولية المستقلة.
الثانية : طريقة تفكك دولة مركزية وإعادة الاتحاد بين بعض أو بين جميع أقاليم هذه الدولة ليصبح هذا الاتحاد بشكل دولة فدرالية بعد أن كانت دولة مركزية موحدة.
إن المعايير التي تقوم عليها النظم الفدرالية المعروفة في عالمنا المعاصر هي على اساس جغرافي ( ولايات – اقاليم – محافظات…) وليس على أساس قومي عنصري، ولا على اساس ديني طائفي. وبقدر تعلق الأمر بالعراق ، فإن المطروح اليوم فيما يخص المطالبة بالفدرالية صيغ متعددة. فالقوى السياسية القومية الكردية تفضل صيغة الفدرالية لكل كردستان والديمقراطية لكل العراق ، فيما تفضل أطراف أخرى غير كردية صيغة الحكم الذاتي . أما أطراف ثالثة، وهي الأضعف ، فإنها تفضل الفدرالية لكل العراق. ومقابل جميع الأطراف هناك قوى عراقية تفضل المركزية.
ويشير الباحث إلى أنه لا خشية من الفدرالية إذا قامت على شرطين لا ثالث لهما :
ا – أن تقوم الفدرالية على معايير جغرافية إقليمية وليس على اساس معايير قومية و عنصرية ولا دينية ولا طائفية.
ب – أن تكون ديمقراطية المشاركة وليس ديمقراطية الموافقة.
إن شروط تحقق ديمقراطية المشاركة في العراق وفي غيره من بلدان العالم تتمثل بالإقرار والتجسيد العملي للحقائق والمبادئ التالية :
_ إقرار حقيقة التنوع في المجتمع العراقي ولا سيما التنوع القومي والديني.
- إقرار مبدأ حق الاختلاف بين التنوعات القومية والدينية.
- إقرار حقيقة ان تعبر جميع هذه التنوعات القومية والدينية على السواء عن مصالحها وطموحاتها عن طريق تنظيمات عصرية تتمثل بالأحزاب والنقابات.. إلخ.
- إقرار مبدأ التداول السلمي للسلطة على المستويات الفدرالية والمحلية.
وعليه، فإن القاسم المشترك لعدم الخشية من الفدرالية من جهة، وعدم الخوف على الوحدة الوطنية من جهة أخرى، يتمثل بالديمقراطية وبالمزيد من الديمقراطية، اي بديمقراطية المشاركة. وان منطلق هذه الديمقراطية يتمثل بالمواطنة اولا واخيرا ، وان يسود قانون رأي الأغلبية ورضى الأقلية.
(1) مؤتمر الحوار الوطني حول الدستور والديمقراطية في العراق. بيت الحكمة، بغداد، ٢٤ تشرين الأول ٢٠٠٣. - يتبع
2026 /02 /14