تشارلز داروين .. شاهد الزور الذي سمّي عالما (33)!
د. عمر ظاهر.
داروين يقدم البيانات والأرقام ليس كالباحثين، بل كضاربي الودع:
وفقا لنظريته ربما تكون الأنواع قد وُجدت قبل الانفجار العظيم.
السيد داروين يراوغ، ويتهرب من الإجابة الدقيقة عن السؤال حول الزمن اللازم لظهور نوع جديد من نوع قديم. ثم عندما يضطر إلى الإجابة، ولو بشكل غير مباشر، فإنه يقع في مآزق لا خروج منها. وخير مثال على هذا هو الرسم البياني الذي وضعه في الباب الرابع من كتابه لشرح عملية إنتاج نوع جديد من نوع قديم من الكائنات الحية. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 206)
لو أن داروين كان قد كتب هذا الفصل كجزء من أطروحة ماجستير، وليس دكتوراه، تحت إشراف أكاديمي في أية جامعة الآن، لكان الفصل قد أسقط من الكتاب، مثله مثل العديد من الفصول الأخرى. ذلك لأن أي مشرف يحترم سمعته المهنية ما كان لينصح داروين بعرض هذا الهذيان على الملأ، أو تقديمه إلى لجنة تحكيم أكاديمية – لأنه سوف يُرفض، فيقع بعض اللوم على المشرف أيضا. إن الفصل سيتعرض إلى أسئلة محرجة، وإلى السخرية، وسوف يُلقي المزيد من الشكوك حول فهم داروين للمنهج العلمي في البحث.
هذا الرسم البياني لا ينفع في الإجابة عن السؤال عن الزمن اللازم لتحقق تخيلات داروين، فهو يمكنه رسم شجرة، وأغصان، وأوراق، وإبراز كل فرع بحرف كبير مرقم، أو بحرف صغير مرقم، ويمكنه إعطاء شرح مفصل عن كل الخطوط في شجرته، أو رسمه البياني، ويتكلم عن آلاف وملايين الأجيال. لكن قبل أن يكتسب ما يقوله أية قيمة علمية عليه، أو على الذين يتطوعون للدفاع عن الهذيان الذي يقدمه، أن يجيب عن السؤال الجوهري: ما هو مصدر قاعدة البيانات التي تم عمل هذا الرسم البياني على أساسها؟ هل المصدر هو أبحاث تجريبية؟ لا، طبعا. هل هو برامج كومبيوتر؟ لا. هل كان داروين قد اخترع ماكنة زمن عادت به إلى الماضي السحيق فتابع العمليات التي يصفها، وحسب عدد الأجيال التي يستغرقها كل ضرب في انفصاله عن النوع، ثم التحول تدريجيا إلى نوع جديد؟ لا. ما هو مصدر البيانات، إذن؟ الجواب هو أن داروين كان يتصرف كضاربي الودع، وكان يتكلم من الفراغ، فيفترض، ويتخيل، ويلقي الكلام على عواهنه. وكان يريد أن تبدو نظريته علمية، حتى لو قال هراءً متلفعا بعباءة العلم. المصدر هو خياله.
وكالعادة، لا يحدد داروين ما إذا كان رسمه البياني هذا ينطبق على عالم النباتات، أو الحيوانات، أو على كليهما. لكن القارئ الناقد يستنتج من قراءة الشرح المفصل للخطوط، والحروف، والأرقام في الرسم أنه كلام عام، ويشمل العالمين معا. كيف؟ إنه يشير من جهة إلى الطبقات الكبيرة والواسعة الانتشار، وهو موضوع تناول فيه النباتات (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 129)؛ ويشير في نفس الوقت إلى موضوع “تشعب الطابع” الذي تخيل فيه داروين ظهور سلالتين من الجياد، واحدة قوية، وواحدة سريعة نتيجة الانتقاء غير المقصود عبر قرون من الزمن، والمترتب على رغبة مجموعتين من الرجال، كل في سلالة معينة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 199/200).
والتركيز على الطبقات الواسعة الانتشار في تناول هذا الموضوع، والزمن اللازم للتحولات فيها، يعطي القارئ انطباعا بأن الكائنات الحية ضمن الطبقات الأقل انتشارا غير مشمولة بنتائج هذه الحسابات. تُرى كيف يختلف الحساب؟ هل يستغرق تحول الكائنات الحية التي تجد نفسها ضمن الطبقات الأقل انتشارا زمنا أطول أم أقصر؟
ومن أهم الأمور التي تثير الشكوك حول الأمانة العلمية لداروين هو أنه لم يستخدم هنا، في رسمه البياني، الوحدات الثلاث في عملية الانتقاء الطبيعي (التمايزات الطفيفة، وعددها، وكونها بطيئة) في محاولته حساب الزمن اللازم لظهور الضروب، ثم النوع الجديد من القديم، بل دمجها جميعا في وحدة واحدة هي عبارة “جيل”. وقدّر الزمن اللازم لحصول التحول إلى ضرب، أو نوع جديد، بعدد من الأجيال يتحرك ضمن 1.000 جيل لإنتاج ضرب من نوع، ثم ضرب من الضرب، وهكذا دواليك. و 14.000 من الأجيال لظهور نوع جديد عن النوع القديم. لم يكشف داروين عن أي أساس لتحديد هذا العدد من الأجيال!
وداروين لم يحدد، أصلا، المحتوى الزمني للوحدة الحسابية التي يعتمدها في تقدير فترة التحولات التي يتحدث عنها، أي عبارة “الجيل”. إنه يتجاهل البعد الزمني لمفهوم “جيل”، وكأنه لا يقاس بالزمن.
إن استخدام عبارة “جيل” يُعتبر استغفالا للقارئ، فهو محاولة التفاف على أهمية تحديد الزمن في حصول التعديلات التي يتحدث عنها داروين. نحن نعرف أن الجيل يعتبر وحدة زمنية في حياة كل أنواع الكائنات الحية الحيوانية (متوسط الفترة الزمنية بين ولادة الآباء وولادة الأبناء)، ويختلف طول الفترة من صنف من الكائنات الحية إلى آخر، إذ يكون بالنسبة إلى بعض الحيوانات، الأرنب مثلا، أقل من سنة واحدة، بينما بالنسبة إلى حيوانات أخرى، الفيل مثلا، فإن الجيل يقدر بثلاثين سنة. نحن لا نعرف طول فترة الجيل للكائنات الحية التي كانت تعيش قبل خمسين، أو مئة، أو مئتي مليون سنة. من أين لنا أن نعرف ذلك؟ أما داروين فكان عند الحاجة يمكنه أن يخمن ذلك، فهو طالما ضرب أمثلة متخيلة، وخمن، واعتقد، ورأى أغرب الآراء. لهذا نضطر إلى التعامل مع حساب الأجيال على أساس معرفتنا بالواقع الحالي. لكنه هنا يعرض عن التطرق إلى ذلك، أصلا.
ونعود إلى مصدر بيانات الرسم البياني، حيث استخدم داروين “الجيل” كوحدة قياس في التحولات، لنلقي نظرة واقعية على الإشكالية الكبيرة في منهج البحث الذي يتبعه. قدم لنا الرجل سابقا بعض المعلومات من مراقبته للنمل، والنحل لبضعة شهور. وأخبرنا أيضا أنه راقب بعض النباتات الصغيرة لأربع سنوات. ولو أنه اكتفى هنا في سياق الرسم البياني بتقدير الألف جيل، لقلنا إن ذلك معقول، فقد يكون داروين راقب حيوانات، أو نباتات قياس جيلها يوم واحد، واستنتج شيئا خلال ألف يوم، أي في فترة تقل عن الثلاث سنوات – مثلا سجل ظهور ضرب من نوع. لكنْ عندما يتحدث عن تعديل يستغرق أربعة عشر ألف جيل، نتساءل: كيف؟ لو كنا ما نزال نتحدث عن كائنات حساب جيلها يوم واحد، فإن تقديم بيانات عنها عند حصول التعديل يتطلب مراقبة طولها أربعة عشر ألف يوم، أو ما يزيد عن ثمانٍ وثلاثين سنة. ولأن كتاب داروين ظهر عام 1859، فلا بد أن المراقبة بدأت قبل ذلك بثمان وثلاثين سنة على الأقل، أي عام 1821. هذا يعني أن داروين بدأ المراقبة حين كان عمره 12 عاما، فهو مولود في عام 1809. ومثل هذه المراقبة لا يمكن أن تجري في المكتب أو في الحديقة المنزلية، لأن الضروب تظهر أيضا بفضل انتقال الذراري إلى بيئات مختلفة. هذه أكذوبة، أليس كذلك؟ كيف سمح العالم لنفسه، إذن، أن يشرح عمليات تحول لم يشهدها، وليس لديه عنها معلومات وافية. إنه لا يعرف طبيعة التغيرات التي تحصل في كيان الكائن الحي، ولا يعرف سرعة أو بطء تكونها. مع هذا سمح لنفسه بإلصاق عدد متخيل بهذه التغيرات، مقدرا إياه بالجيل الذي ليس وحدة معيارية لكل الكائنات الحية.
والعملية ليست بسيطة، بحيث أن التطور يحصل عبر خط من الذراري تنحدر مباشرة عن النوع الأصلي. النوع الواحد يمكن أن ينحدر منه ضرب واحد، أو ضربان، أو أكثر. والعملية تتكرر مع كل ضرب على حدة، فقد ينحدر منه ضرب واحد أو أكثر، وهكذا. وقد يتولد من هذه العمليات – والقول هنا على عهدة داروين، عدة أنواع جديدة، وربما لا يظهر أي نوع، خاصة إذا كان قانون الانقراض يقف بالمرصاد لبعض الضروب المنكودة الحظ. نحن نتفاءل، ونفترض أن نوعا جديدا واحدا، على الأقل، يرث النوع القديم عبر سلسلة الضروب وضروبها – بعد مرور 14 ألف جيل.
سنحاول فهم ما يقوله داروين عن الزمن اللازم لظهور ضرب من نوع، وتحوله تدريجيا عبر سلسلة من الضروب إلى نوع جديد، بأن نأخذ كائنين حيين تختلف الفترة الزمنية لحساب أجيالهما، مثلا الأول قياس جيله سنة واحدة، والثاني ثلاثون سنة. وهكذا نفهم من داروين، أنه بالنسبة للكائن الأول يظهر ضرب جديد من نوع قديم عبر تراكم التعديلات فيه خلال فترة ألف سنة (1× 1000)، ويتحول إلى نوع جديد مختلف خلال فترة أربعة عشر ألف سنة (1× 14.000). أما بالنسبة للثاني، فيظهر منه ضرب جديد عبر تراكم التعديلات خلال فترة ثلاثين ألف سنة (30×1000)، ويتحول إلى نوع جديد مختلف خلال أربعمئة وعشرين ألف سنة (30 × 14.000).
لكن سرعان ما يظهر أن هذه الحسابات ليست صحيحة، فداروين افترض في خطوطه الأفقية في الرسم البياني، في البداية، أن كلا منها يمثل حوالي ألف جيل، ثم عاد بعد ذلك ليقول:
ومن المفروض حتى الآن في الرسم البياني، أن كل خط أفقي يمثل ألفا من الأجيال، ولكن كل واحد منها قد يمثل مليونا أو أكثر من الأجيال، وقد يمثل قطاعا من الطبقات المتتالية من القشرة الأرضية المتضمنة على البقايا المندثرة” (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 212)!
في علم الإحصاء يستخدم الخبراء مصطلحا يبيّن احتمالية انحراف نتيجة ما عن الدقة التامة، وهو (+/-). مثلا، عندما يقدرون عمر شيء ما بمئة وحدة زمنية، يقولون (+/- 0.03)، أي إن احتمال الخطأ في التقدير هو ثلاثة بالمئة زيادة أو نقصانا، فالعمر المقدر هو مئة وحدة، وفي حالة وجود خطأ أو عدم دقة، قد يكون العمر أكثر قليلا إلى حد مئة وثلاثة، أو أقل قليلا إلى حد سبع وتسعين وحدة. بمعنى أنهم عندما يقولون مئة (+/- 0.03)، لا يمكن الاستنتاج أن العمر قد يكون خمسين وحدة، أو مئتي وحدة، مثلا. أما أن يقدر داروين عدد الأجيال اللازمة لتحقق خطوة ما في عملية تحول بألف جيل، ثم يقول إن الألف جيل يمكن أن يكون مليون جيل أو أكثر، فأمر يشوش مفهوم الإحصاء، طبعا لأن ذلك يأتي من رأس مشوش. صار المصطلح عند داروين يقرأ هكذا:
ظهور الضرب يستغرق ألف جيل (+/+ 999.000).
بهذا تغير حساب الزمن اللازم لإتمام عملية (process) ظهور نوع جديد من قديم، والذي قدرناه، بالنسبة إلى الكائن الأول، بأربعة عشر ألف جيل أو سنة، وإلى الثاني أيضا بأربعة عشر ألف جيل، أو أربعمئة وعشرين ألف سنة.الآن سيستغرق ظهور نوع جديد من الكائن الأول أربعة عشر مليون سنة، ومن الثاني أربعمئة وعشرين مليون سنة.
لماذا نقول إن داروين يراوغ في الإجابة؟ لأنه، كما يتبين من الاقتباس أعلاه يجيب عن السؤال، وهو يفكر بمشكلة طبقات الأرض وما إذا كان من الممكن العثور على الحلقات الوسطى بين الأنواع القديمة والجديدة. وإلا ما علاقة عدد الأجيال التي يستغرقها ظهور ضرب جديد، أو نوع جديد بالطبقات المتتالية من القشرة الأرضية المتضمنة على البقايا المندثرة؟ إنه لو أصر على أن الزمن اللازم لحدوث التمايزات، وظهور الضروب والأنواع قصير، فإن ذلك سيضعه أمام السؤال: لماذا، إذن، لا نجد الحلقات الوسطى التي تفترض أن تكون في الطبقات القريبة من سطح الأرض؟ لذلك يكون من الأفضل أن يعطي الزمن اللازم للتحولات مدى مطاطيا يمكن به الإيحاء وليس القطع – بأن الفترة اللازمة لظهور ضرب، ثم نوع جديد طويلة، وقد يكون حدث أي شيء في طبقات الأرض ومحا آثار الحلقات الوسطى؛ ولكن الفترة ليست طويلة بحيث يبدو الأمر مستحيلا، أو غير معقول. واستخدام مقياس “الجيل” يساعد على مثل هذا التمويه.
إن ظهور نوع جديد من نوع قديم من الكائنات الحية لم يحدث، والكلام للنظرية، مرة واحدة في حياة الطبيعة، بل إن ذلك هو سنّة الطبيعة منذ الأزل، فلو أننا رجعنا إلى الوراء في الزمن، فإننا سنرى أن تلك الأنواع التي نعتبرها الآن قديمة، كانت في وقتها جديدة، وقد انحدرت خلال 14 مليون جيل عن أنواع أقدم تختلف عنها – مثلا الخفاش أصبح خفاش متحولا عن حيوان رباعي الأرجل عبر 14 مليون جيل، وذاك عبر فترة مشابهة عن غيره، وصولا إلى الأصل الذي كان يشبه السمك. وذلك الجد الأعلى السمكي انحدر بدوره عن نوع أقدم عبر نفس العدد المحتمل من الأجيال، وذاك بدوره عن أقدم، وهكذا إلى ما لا بداية. فأين ومتى بدأ كل شيء؟
والآن، لو أخذنا مراوغات داروين على محمل الجد، أو على محمل الهزل، وافترضنا أن عدد العمليات التطورية عبر ظهور الضروب، أو الحلقا الوسطى، بين نوع قديم ومن نوع جديد كبير جدا. ولو افترضنا أن أنواعا جديدة انحدرت من أنواع قديمة، وتلك عن أنواع أقدم، وتلك عن أنواع أكثر قدما عبر سلسلة يبلغ عددها 50 انحدارا على مدى تاريخ الطبيعة. ولو أخذنا، مثلا، كائنا حيا كان جيله يقاس بسنة واحدة، وحسبنا ظهور كل نوع من سابقه، بعدد الأجيال التي يذكرها داروين (14 مليون جيل)، نجد أن الفارق الزمني بين النوع الأقدم والنوع الأحدث هو:
(50 مرة × 1 سنة قياس الجيل × 14.000.000 جيل)، أي سبعمئة مليون سنة.
وهذا قد يبدو معقولا قياسا إلى ما يقوله العلماء بأن عمر الأرض يبلغ حوالي 4500 مليون سنة.
لكن لو أخذنا، مثلا آخر، كائنا حيا كان جيله يقاس بعشرين سنة، وحسبنا ظهور كل نوع من سابقه، بعدد الأجيال التي يذكرها داروين (14 مليون جيل)، نجد أن الفارق الزمني بين النوع الأقدم والنوع الأحدث هو:
(50 مرة × 20 سنة قياس الجيل × 14.000.000 جيل)، أي 14 مليار سنة.
وهذا يعني أن بعض الأنواع ربما وجدت على الأرض قبل الانفجار العظيم الذي يفترض أنه حدث قبل 13.6 مليار سنة.
ألن يسأل أحد: على أي أساس افترضتَ تكرر خروج نوع جديد من آخر قديم في تاريخ الطبيعة 50 مرة؟ ألا يحتمل أن ذلك حصل فقط أربعين، أو عشرين، أو حتى عشر مرات؟ والجواب هو: بلى، بالتأكيد. لكن يمكن أيضا افتراض تكرر ذلك مئة مرة، أو مئتي مرة، وليس فقط خمسين مرة. إنها مسألة افتراضات. داروين أشبه ما يكون بمن افتتح بازارا للأرقام الافتراضية وهو يناقش مسألة علمية، ولا يحق لأحد الاعتراض على أي رقم افتراضي، طالما أن داروين نفسه يقوم بذلك. لا أحد يعرف ما حصل، وكيف حصل، وكم مرة حصل أي شيء في الطبيعة في الماضي السحيق على الأرض. كلها افتراضات. من أين جاء داروين بالرقم 14 مليون جيل؟
وقد يسأل أحدهم: على أي أساس قدرت الجيل بعشرين سنة؟ ويقول إن داروين ربما أخذ في الرسم البياني بنظر الاعتبار أن الكائنات الحية الأولى على الأرض كانت بكتريا، أو كانت خلايا أحادية تتكاثر بالانشطار، ويستغرق الجيل الواحد منها يوما واحدا، أو ربما ساعة واحدة. ونقول إن في مثل هذا الحديث سوء فهم لداروين، فالرجل رفض أن يتعرض لمسألة نشوء الحياة، أي إنه لا يقول شيئا عن النوع الأول ولا من أين جاء. ولم يأت على ذكر البكتريا في هذا الكتاب ولا مرة واحدة. أما التكاثر بالانشطار فنظام يختلف عن نظام داروين المتمثل بظهور تمايزات طفيفة، وعديدة، وبطيئة، ومفيدة في كيان الكائن الحي نتيجة الصراع من أجل البقاء، وحصول التحول بفضل تكديس الانتقاء الطبيعي لتلك التمايزات. بالنسبة لداروين أننا نجد، مهما عدنا إلى الماضي، دائما أنواعا انحدرت من أنواع أقدم منها.
وفي الحقيقة فإن هذه الحسابات تبقى بعيدة عن الواقع، سواء افترضنا أرقاما كبيرة أو صغيرة، إذا نحن اعتمدنا على ما يقوله داروين. داروين يشوش دائما الحسابات، لأنه غير معني بالحقيقة، بل يقول في كل سياق ما يلائم النظرية. إنه يصرح في سياقات أخرى أن عدد الحلقات الرابطة أو الوسطى، أي عدد الضروب بين النوع القديم والجديد، ليس محددا بخمسين، أو مئة، أو ألف، بل إنه لانهائي. نورد اقتباسا بهذا الشأن:
بشكل مستقل عن عدم عثورنا على بقايا أحفورية لمثل هذا العدد اللانهائي من الحلقات الرابطة، فإنه قد يثور اعتراض أن الزمن لا يمكن أن يكون كافيا لحدوث مثل هذه الكمية الهائلة من التغيير العضوي، فإن جميع التغييرات قد تم إحداثها بشكل بسيط. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 497)
إن عبارة “العدد اللانهائي من الحلقات الرابطة” غير دقيقة، وغير مناسبة، فلو أن عدد الحلقات الرابطة، أو الوسطى كما يسميها داروين في أماكن أخرى، كان لانهائيا لما نتج نوع جديد، أصلا، من نوع قديم، لأن الحلقات تستمر في اللانهاية باتجاه ظهور النوع الجديد. وهذا ليس ما يعنيه داروين، فهو يقول لنا أن الأنواع في كل زمن تنحدر من أنواع أقدم منها. ويقول إن أنواعا عديدة قد تكون، أو هي بالتأكيد كذلك، منحدرة من جد أعلى مشترك.
إن الحديث عن اللانهائية، إضافة إلى عدم الدقة، ينسف كل الحسابات. المحصلة هي أن داروين لا جواب لديه.
لم يعرف التاريخ رأسا مشوشا مثل رأس السيد تشارلز داروين. ولو أن أحدا من الذين قدم داروين أمامهم شهادة الزور بحق الطبيعة والخلق، كان معنيا بالحقيقة والعدالة، فإن داروين ما كان له ليكون منذ أكثر من 160 عاما أيقونة في علم الدجل، بل – ونقول ذلك بلطف، كان مكان كتابه على رف من الرفوف المخصصة في المكتبات لأدب الخزعبلات، وليس بين الكتب العلمية.
2021-03-30