تساؤل يطرحه أحد الأصدقاء ضمن مجموعة من التساؤلات المحقة , حول الديالكتيك وهل هو مقتصر على الفكر الماركسي .
عماد قطنيه
البداية الصحيحة للإجابة تأتي من خلال تبسيط وتقريب المصطلح بعد أن غَرَّبته التشويهات الغربية وضعف أحزاب ما يسمى باليسار عن أن تعرّب وأن تُبسّط المفاهيم والمصطلحات .
الديلكتيك في المفهوم الفلسفي هو نهج شمولي في فهم وتفسير وتحليل والتعاطي مع الواقع من خلال وحدته وترابطه وتغيُّره الدائم والمستمر , وهو بهذا المعنى يناقض الجمود والسكون ويتماشى مع النظرية النسبية التي لا تعترف بالمطلق الخالص .
وقد يتصور البعض أن الديالكتيك مجرد منهج عقلي ونتاج فكر خالص يحاول إسقاط نفسه على الواقع . وهذا مناف للحقيقة ولجوهر الفكرة نفسها , فالديالكتيك بالأصل هو ديالكتيك الواقع قبل ان تدركه أو تلخصه الفلسفات على شكل علم بقوانين و مقولات فلسفية خاصة هي خلاصة تجربة انسانية سحيقة في الزمن .
والديالكتيك أو الجدلية المُعرّبة ليس حكرا على الماركسيين اللينيين أو ما يسمى باليساريين , بل هو أداة للتفكير الشمولي العلمي والعملي والذي يُمارسه جزئيا او كليا , بوعي أو بعفوية العديد من القوى والأحزاب والعلماء على مختلف تفرعاتهم , ليس رغبة وإنما جبرا لأنه واقع , ومن لا يفهم الواقع على صورته الحقيقية لن يستطيع التطوير ولا التغيير على كافة المستويات . فما الذي يعطي هذا النهج قوته وصوابيته وأهميته العامة بعيدا عن الحزبية أو الفلسفة الضيقة في فهم الأمور ؟
بوصف الديالكتيك ملخص علمي لتجربة بشرية , أمكن تلخيصها على شكل قوانين اجتماعية , فإنه تبلور في ثلاث قوانين لا يمكن فصلها سوى في التجريد العقلي . وبالتالي فإن طرحها ونقاشها تحت عناوينها الثلاث هو مجرد آلية توضيح وتبسيط لا أكثر . فما هي هذه القوانين بتكثيف حيث لا مجال لتفصيل؟
أولا :- وحدة وصراع الأضداد ...
أما كيف تكون وحدة وصراع الأضداد , فإن الواقع وحده من يجيب عليه كما غيرها من القوانين بوصفها جميعا انعكاسا لجدلية الواقع . حيث لا يمكن تفسير الشيء وجود بغياب ضده كاليوم بلا متضاداته الليل النهار , او الخير والشر , أو الأبيض والأسود , و الحياة والموت والحرية والعبودية ., والحاكم والمحكوم والمالك والمملوك , والأعلى والأسفل , والقمة والقاع ..الخ من المظاهر التي تنتفي بإنتفاء أحد أضدادها . وهذا ينطبق على العلوم أيضا كالزائد والناقص في الرياضيات والموجب والسالب في الفيزياء والجذب والطرد و الإتحاد و التحلل في الكيمياء والضغط والشد .. الخ .
ثانيا :- التغيرات الكمية تؤدي الى تغيرات كيفية أو نوعية ..
وتلك التراكمات عادة ما تصل حدا يتجاوز الحدود القصوى لهذا الكيف لتصل حد الذريعة التي عندها يحصل الإنتقال من كيفية لأخرى , كتراكم المياه الذي يؤدي لتفجر العيون أو تشكل السيول , وتراكم الإنتصارات التي تؤدي الى التحرر , و تراكم الضغط يؤدي للإنفجار , وتراكم المياه الذي يؤدي الى الفيضاات , وتراكم الوقت الذي يؤدي لمتوالية الليل والنهار والفصول , وكذلك متغيرات الحرارة ومتغيرات الماء من السيولة الى الصلابة أو البخاراو عند درجة معينة ومتغيرات الجسد التي تؤدي الى الموت أو الميلاد الجديد , أو متغيرات نمط الإنتاج التي تؤدي الى تغيير التشكيلة الإجتماعية الإقتصادية من عبودية لإقطاع فرأسمالية وإشتراكية وهكذا …الخ …..
ثالثا :- قانون نفي النفي …
وهو الذي يوضح ويفسر هذه المتغيرات بفعل الصراع والتضاد , والتي تنفي فيها الحياة الموت أو العكس , أو الرماد ينفي الحطب أو النهار ينفي الليل والمعلومة تنفي جهل ما قبلها والكتكوت ينفي البيضة , والصح ينفي الخطأ والخير ينفي الشر , والتحرر ينفي الإستعمار .. وهكذا .
لكن من الواضح أن هذه القوانين لا تفعل فعلها بشكل مستقل , بل بشكل مترابط ومتداخل وفق معطيات وشروط تحقيقها وعلى قاعدة فهم الحركة والتغير الدائم والمستمر حيث لا يمكن عبور النهر ذاته مرتين .
إضافة لهذه القوانين هناك مقولات فلسفية تتعلق بالشكل والمحتوى , والجوهر والمظهر , والعام والخاص , والحركة والسكون , والعلاقة بين هذه الإزدواجيات . وهذا يأتي مكملا لفهم قوانين الديالكتيك وآلية فعلها الواقعي .
إن عدم تبسيط هذا الوعي للديالكتيك ساهم في تشويهه بطريقة أو أخرى , حتى أن البعض ألبسه هوية حزبية أو فكرية وهو الأسبق منهما , ورغم أن كل التطور البشري ايضا يدين لهذا الديالكتيك وفضله علميا واجتماعيا . فكل من يتعاطى مع الواقع على حقيقته العلمية ويعالج قضاياه على قاعدة هذا الفهم هو ديالكتيكي سواء كان ماركسي أو ليبرالي أو حزب ديني أو وطني وقومي أو غيره . فالديالكتيك ليس حكرا ولا مطوبا لجهة , وهو موجود قبل الماركسية في الفلسفة كما في الواقع .
وقد آن الأوان لإخراجه من دائرة الإتهام والتصنيف المُوَظّف في خدمة برامج إدارة الصراع مع الفكر التقدمي والثوري التحرري . فالديالكتيك ليس دينا ولا عقيدة بقدر ما هو منهجا وأداة فهم وتحليل يعكس الواقع كما هو ويساعد في معالجات إشكالياته , بغض النظر عن تفسير منشأ هذا الواقع وصلته بالإيمان أو الكفر .
2023-02-15