ترسيم الحدود اللبناني البحرية [ما ضاع حق ووراءه مُطالب ]!
رنا علوان
الحكاية بدأت في العام 2002 ، عندما قرر لبنان ترسيم حدوده البحرية بينه وبين فلسطين المُحتلة ، مُكلفاً بذلك [ مركز ساوثمسون ] لعلوم المحيطات بالتعاون مع المكتب الهيدروغرافي البريطاني ، لإعداد دراسة حول ترسيم حدود مياهه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة ، وذلك بُغية إجراء عملية مسح جيولوجي للتنقيب عن النفط والغاز ، وعليه واجه المركز صعوبات عديدة في هذه المهمة بسبب عدم توافر خرائط بحرية دقيقة وواضحة لمنطقة جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة ، ما أوصل إلى ترسيمٍ غير دقيق
لتعود الحكومة اللبنانية في عام 2006 وتوكل للمكتب الهيدروغرافي البريطاني بإجراء دراسة جديدة لترسيم الحدود البحرية للدولة اللبنانية ، وكانت هذه الدراسة عبارة عن نسخة محدّثة لتلك التي سبقتها
وفي كانون الثاني /يناير من العام 2007 ، وتحديداً في يوم 17 منه ، وقّع لبنان مع قبرص اتفاقية حول تعيين حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة ، بهدف توطيد العلاقة والتعاون في ما بينهما لاستثمار الثروات النفطية
وبحسب ما ذكر موقع الجيش اللبناني حينها ، ان الاتفاقية استندت إلى القوانين المرعية الإجراء في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ، وتمّ تحديد المنطقة الخالصة بين لبنان وقبرص على أساس خط الوسط
إلا أن قبرص في عام 2011 ، وفق الموقع عينه ، قامت بتوقيع اتفاقية أخرى مع الكيان ، لتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة بينهما ، ليتهم لبنان حينها قبرص بتجاهل ما تمّ الاتفاق عليه معه ، ما أدّى إلى خسارته مساحة مائية تزيد على 860 كلم2 من المنطقة الاقتصادية اللبنانية الخالصة التي تحتوي كميات كبيرة من النفط والغاز
في عام 2012 قدمت الولايات المتحدة الأمريكية عبر موفدها فريدريك هوف ، اقتراحاً لحلّ النزاع البحري بين لبنان والكيان الغاصب ، يهدف الى تقاسم المنطقة المتنازع عليها ، برسم ما يعرف بـ[خط هوف ] والذي بموجبه يحصل لبنان على حوالى 500 كلم مربّع ، والكيان على حوالى 360 كلم مربعاً من أصل مساحة الـ 860 كلم مربعاً من المنطقة المتنازع عليها
لكن لبنان رفض حينها هذا الاقتراح ، على اعتبار أن المساحة الكاملة ( بما فيها الحصة المعطاة للكيان 360 كلم2 ) هي من حقّه ، وعلى أثر هذا الرفض اقترح الجانب الأميركي أن يكون خط [ هوف ] خطاً مؤقتاً وليس حدوداً نهائية ، لكن الجانب اللبناني رفض ذلك خشية تحوّل المؤقت إلى دائم عند الكيان الغاصب
وفي عام 2018 شرع لبنان التنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحله ، وقام في 9 شباط /فبراير بتوقيع عقد مع شركات دولية هي [ توتال الفرنسية وإيني الإيطالية ونوفاتيك الروسية ] ، بهدف التنقيب عن النفط والغاز في البلوك 4 و9 داخل مياهه الإقليمية ، لكن العدو اعتبرها خطوة استفزازية بإعتبار البلوك رقم 9 هو ضمن المنطقة قائمة النزاع ، بعدها بأسبوع فقط ، دخلت أميركا بالوساطة مجدداً بين لبنان والكيان عبر مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد ، الذي اعاد طرح ما كان سابقا وهو اتفاق خط هوف ، لكن لبنان كرر رفضه
ولفت في هذا الخصوص بيان صادر عن رئيس مجلس النواب نبيه برّي في حينه ، إصراره على موقفه لجهة ترسيم الحدود البحرية عبر اللجنة الثلاثية المنبثقة عن تفاهم أبريل/نيسان 1996 ، التي تضمّ لبنان والكيان والوسيط الاميركي ، والجدير بالذكر ان هذا التفاهم هو مكتوب ولكن غير رسمي ووجد فقط من اجل حل صراع 1996 بجهود دبلوماسية اميركية ، وكان قد تبنّى مجلس الأمن القرار 1701 ، الداعي إلى وقف كلّ العمليات القتالية بين لبنان والكيان في العام 2006
وفي آذار / مارس من العام 2019 ، زار وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو لبنان ، والتقى الرئيس اللبناني ميشال عون ، ورئيس مجلس النواب نبيه بري ، ورئيس الحكومة آنذاك سعد الحريري ، ومن ضمن المواضيع التي تم النقاش حولها كان موضوع ترسيم الحدود البحرية ، وبعدها بشهرين
فقط زار ساترفيلد لبنان مرتين متتاليتين في غضون أيام ، والتقى كل من الحريري وبرّي ووزير الخارجية اللبناني حينها جبران باسيل ، وأبلغهم بنيته إجراء مفاوضات وإعتبارها غير مباشرة ، لانهاء النزاع القائم حول الحدود البرية والبحرية بين لبنان والعدو من اجل افشاء السلام النهائي ، واستمر ساترفيلد بمفاوضاته مع الجانبين إلى أن خلفه شينكر في شهر ايلول /سبتمبير 2019
في تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2020 بدأت المفاوضات بين لبنان والكيان الغاصب إثر تنازع بينهما على منطقة في البحر المتوسط غنيةٍ بالنفط والغاز ، تبلغ مساحتها نحو 860 كم مربعاً ، وتعرف بالـ بلوك رقم 9 ، فالحدود البحرية بين لبنان والكيان لم يسبق لها أن شهدت نزاعات عسكرية على غرار الحدود البرية
وبما أن لبنان يعتبر الكيان الغاصب لارض فلسطين ، عدواً له منذ نشأته عام 1948، تطلب الأمر استباق المفاوضات وأخذ وسيط فيما بينهما كي لا يتم الجلوس والتفاوض المباشر معه كي لا يتم الاعتراف به كدولة وجودية ، فكان الاميركي هو الوسيط المتفق عليه
في 3 أيلول/سبتمبير من نفس العام ، زار شينكر لبنان على خلفية انفجار مرفأ بيروت ، وفي 4 أغسطس/آب ، لكنّه لم يلتقِ أياً من الرؤساء مع أنّ زيارته وضعت سابقاً في إطار استكمال المناقشات حيال ترسيم الحدود مع فلسطين المحتلة ، كما أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في الشهر عينه ، فرضها عقوبات على وزيرين سابقين في الحكومة اللبنانية ، بتهمة دعمهما لتنظيم حزب الله ولضلوعهما في الفساد ايضاً ، وقالت الوزارة ، في بيان على موقعها الإلكتروني ، إن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية فرض عقوبات على الوزيرين اللبنانيين السابقين يوسف فينيانوس وعلي حسن خليل
وفي 1 أكتوبر/تشرين الاول ، أعلن برّي التوصّل إلى “اتفاق إطار” يهدف لمفاوضات بين لبنان وكيان العدو من اجل ترسيم الحدود وأضاف خلال مؤتمره الصحفي الذي عقده في مقر إقامته ، إن مفاوضات لترسيم الحدود مع العدو ستتم بطريقة غير مباشرة عبر وسيط برعاية الأمم المتحدة مع تلازم بين البر والبحر ، وأضاف أن واشنطن “تعتزم بذل قصارى جهودها من أجل إدارة المفاوضات ، واختتامها بنجاح في أسرع وقت ممكن” بما فيه مصلحة للطرفين ، وبعدها بأسبوعين فقط انعقدت الجولة الأولى من المفاوضات غير المباشرة بشأن ترسيم الحدود البحرية بين لبنان والعدو ، برعاية الوسيط الاميركي ، تلتها الجولة الثانية بعد ايام ، وصفتها وزارة الخارجية الأمريكية ، بأنها “مثمرة” من التوسع في التفاصيل ، وبعدها انعقدت جولة ثالثة قدّم خلالها كلّ وفد طرحه ومطالبه أمام الآخر وفق المصادر ، من ثم انعقدت الجولة الرابعة والخامسة النهائية ، ليصرح مكتب المنسّق الخاص للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيتش بأنها كانت مثمرة ، لكنه تم تعليق المفاوضات غير المباشرة في الشهر عينه
وفي 10 آب /اغسطس 2021 ، تم تعيين مستشار أمن الطاقة بوزارة الخارجية الأمريكية ، آموس هوكستين ، وسيطاً جديداً
وفي شباط/فبراير 2022 ، وصل هوكستين إلى بيروت والتقى مسؤولين لبنانيين في زيارة تطرّقت إلى المفاوضات مع كيان العدو
وفي حزيران 2022 تسارعت التطورات إثر وصول سفينة استخراج وتخزين الغاز على مقربة من حقل “كاريش”، تمهيداً لبدء استخراج الغاز منه لصالح العدو ، الأمر الذي استدعى إحياء المفاوضات ، فتم على اثره تقديم عرضاً جديداً ، بعد ان كانت توقفت لمدة عام ، وقال مصدر لبناني رفيع المستوى إن المقترح الذي قدّمه عون لـ هوكستين ، يؤكد أحقّية لبنان باسترجاع حقل “قانا” النفطي بالكامل وإجراء تعديل على الخط 23 الذي اقترحه المسؤول الأمريكي قبل أشهر ، كما فصل حقل قانا عن أيّ شيء آخر ، [ خاصة وأن حقل كاريش معظمه واقع في المنطقة من جهة فلسطين المحتلة وجزءٌ صغير جداً منه واقع في الجهة المتنازع عليها مع الجانب اللبناني ضمن الخط 29 ]
وبحسب الخرائط المودعة من الجانبين لدى الأمم المتحدة، تبلغ مساحة المنطقة المتنازع عليها 860 كيلو متراً مربعاً، غنية بالنفط والغاز.
في تموز 2022 قام حزب الله بإطلاق 3 طائرات مسيّرة غير مسلحة تجاه المنطقة المتنازع عليها مع إسرائيل عند حقل كاريش للقيام بـمهام استطلاعية ، مما عزز موقف لبنان في هذه التفاوضات ، فلبنان لا زالت سياسة المقاومة تحكمه
وعلى اثر الحدث أعلن الرئيس عون أن مسألة ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل ستنتهي قريبا
ليأتي بعدها خطاب الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله في 13 تموز 2022 ، ويحذّر فيه من اندلاع حرب في حال لم يحصل لبنان على الغاز ، مشيراً إلى أن الحزب قادر على “منع” إسرائيل من استخراجه
وفي 15 تموز ، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أنها “لا تزال ملتزمة بتسهيل المفاوضات بين لبنان والعدو ، ولا يمكن تحقيق التقدم نحو حلّ إلا من خلال المفاوضات بين الطرفين دون تهديد ، لكنه في المقابل حذر العدو ، من أنه “في الحرب القادمة على لبنان ستعاني منظمة حزب الله من ضربة لا تستطيع حتى تخيّلها” ، وهدد القائد القادم لسلاح الجو الإسرائيلي تومر بار ، السيد حسن نصر الله ، قائلاً إنه “معرّض لكل شيء” في حرب بلا قيود
وقال وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس ، “لبنان وقادته يعرفون جيداً أنهم إذا اختاروا طريق المواجهة ، فسوف يتعرّضون للأذى ويحترقون بشدة ، وإذا اختاروا طريق الاستقرار ، فإنهم سيساعدون الشعب اللبناني”
وأضاف في تصريح مكتوب أصدره عقب جولةٍ أجراها برفقة رئيس الحكومة يائير لابيد قرب المنطقة الحدودية مع لبنان: “إسرائيل مستعدة لبذل الكثير من أجل ازدهار جيرانها ومستعدة للتحرك في أي وقت لحماية مواطنيها، نحن مستعدون في جميع المجالات، البرية والبحرية والجوية والإلكترونية
في 30 ايلول/سبتمبير 2022 تسلم لبنان الرد الخطي من الوسيط الاميركي آموس هوكستين ، بشأن تثبيت حدوده اللبنانية البحرية عبر السفيرة الاميركية دورثي شيا
ليصرح لبنان على اثر ذلك ، بأنه نال اكثر من العدو في نتيجة المفاوضات ، وانه لن يتخلى عن اي جزء من حدوده ، كما لن يدفع اي تعويضات للجانب الاسرائيلي
وافادت وسائل اعلام العدو بإستقالة رئيس طاقم المفاوضات غير المباشرة مع لبنان لترسيم الحدود البحرية أودي أديري ، بحجة ان من كان يدير الاتصالات فعلياً هو رئيس مجلس الأمن القومي أيال حولاتا
وفي 4 تشرين الاول من الشهر الجاري ، أي منذ يومين ، سلم لبنان السفارة الاميركية ملاحظاته حول العرض القائم بشأن ترسيم الحدود البحرية مع العدو ، حسبما صرح الياس ابو صعب نائب رئيس مجلس النواب والمسؤول عن ملف المفاوضات ، وقال لقد تم تسليم الرد للسفيرة الاميركية دورثي شيا
وأضاف ابو صعب خلال مقابلة له على قناة LBC المحلية [ اعتقد ان الرد اصبح الأن في يد الوسيط اموس هوكستين ] ، مؤكداً انتهاء المفاوضات ، وأضاف بأنه لا يعتقد أن هذه التعديلات المقترحة ستفسد الاتفاق
كما صرح رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي ، ان الامر يسير في الطريق الصحيح ، ونحو التأكيد على حقوق لبنان بمياهه كاملة
كما سبق ان صرح الرئيس ميشال عون ، بأنه سيحدد موقف بلاده من مضمون العرض الاميركي لترسيم الحدود البحرية مع العدو ، بالتشاور مع كل من رئيسي البرلمان وحكومة تصريف الاعمال ، وعلى ضوء ملاحظات اللجنة الفنية التي تم تشكيلها لهذه الغاية ، كما اكد الرئيس عون ، انه لن تكون هناك اية شراكة مع العدو في عمليات التنقيب بحقول النفط الجنوبية ، ومشددا على ضمان حقوق لبنان في مياهه ، وتوفير الظروف الملائمة لبدء عمليات التنقيب في المنطقة اللبنانية الخالصة
2022-10-06