ترامب يأمر بحصار بحري شامل على فنزويلا ومطالب “استعمارية” بالنفط والأرض!
دشنت واشنطن مرحلة العدوان المباشر على فنزويلا، معلنةً حصاراً بحرياً وقرصنةً للنفط، في مسعىً مفضوح لتركيع الثورة البوليفارية ونهب مقدرات البلاد السيادية بمحض القوة
سعيد محمد*
انتقلت الإمبريالية الأمريكية في تعاطيها مع الملف الفنزويلي من مرحلة الحرب الاقتصادية والحصار المالي والحظر الجوي، إلى مرحلة العدوان العسكري المباشر والقرصنة البحرية، مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض “حصار كامل وتام” على ناقلات النفط الفنزويلية، مدعوماً بأكبر حشد بحري تشهده أمريكا الجنوبية في التاريخ الحديث. وتكرس هذه الخطوات سعي واشنطن لخنق كاراكاس عسكرياً واقتصادياً، في محاولة لإخضاع الحكومة البوليفارية، واسقاط الرئيس نيكولاس مادورو بالقوة الغاشمة، متجاوزة بذلك كافة الأعراف والقوانين الدولية التي تجرم حصار الدول ذات السيادة في أوقات السلم.
وكان ترامب قد أصدر (مساء الثلاثاء) أمراً تنفيذياً بفرض حصار بحري يستهدف السفن التي تنقل النفط الفنزويلي، معتبراً أن فنزويلا “محاصرة بالكامل بأكبر أسطول تم تجميعه في تاريخ أمريكا الجنوبية”. ويأتي هذا الإعلان تتويجاً لحملة تصعيد عسكري بدأت بنشر حاملة الطائرات “يو إس إس جيرالد فورد” وسبع سفن حربية أخرى، بالإضافة إلى حشد 4500 جندي أمريكي في منطقة الكاريبي، وغواصة نووية وتسيير دوريات جوية بطائرات “بي-8 بوسيدون”.
وتكشف لغة التهديد التي استخدمها ترامب عن نوايا استعمارية صريحة؛ إذ طالب علناً بأن “تعيد فنزويلا للولايات المتحدة كل النفط والأراضي والأصول التي سرقتها سابقاً” في تلميح لرفض واشنطن قرارات التأميم السيادية التي اتخذتها فنزويلا في سبعينيات القرن الماضي وفي عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز، واعتبارها الثروات الطبيعية الفنزويلية “ممتلكات أمريكية” يجب استردادها.
وسبق إعلان الحصار تنفيذ القوات الأمريكية لعملية قرصنة بحرية موصوفة الأسبوع الماضي، حيث سطت على ناقلة النفط “سكيبّر” في المياه الدولية قبالة السواحل الفنزويلية بينما كانت بصدد الإبحار نحو كوبا. وصادرت البحرية الأمريكية الناقلة المحملة بمليوني برميل من النفط الخام (تقدر قيمتها بـ 95 مليون دولار)، متذرعة بحجج واهية حول “مكافحة الإرهاب” وخضوع السفينة لعقوبات بسبب نقلها النفط الإيراني سابقاً.
وتمثل هذه العملية تحولاً خطيراً في العقيدة العسكرية الأمريكية، حيث توظف الأساطيل البحرية كأدوات للجباية والسرقة المباشرة لصالح الخزانة الأمريكية أو لتمويل العمليات ضد فنزويلا. وتفيد التقارير بأن شركتي نفط أمريكيتين سابقتين في فنزويلا قد تقدمتا بالفعل بطلبات للحكومة الأمريكية للحصول على حصة من النفط المنهوب على متن “سكيبّر”.
وتشير بيانات الملاحة إلى وجود نحو 18 ناقلة نفط أخرى محملة بالكامل وتخضع للعقوبات الأمريكية لا تزال راسية في المياه الفنزويلية، بانتظار الفرصة للإبحار، بينما يهدد الحصار الأمريكي بمصادرتها جميعاً – ما يعني سرقة ما يقارب 11 مليون برميل من النفط الفنزويلي بقوة السلاح -.
وفي سياق توفير غطاء (قانوني) لهذه الجرائم، أعلن ترامب تصنيف الحكومة الفنزويلية كـ “منظمة إرهابية أجنبية”، وهو إجراء غير مسبوق يستهدف حكومة دولة ذات سيادة عضو في الأمم المتحدة. ويتيح هذا التصنيف للإدارة الأمريكية تجاوز القيود القانونية المتعلقة بالحصانة السيادية، ويمنح قواتها تصريحاً مفتوحاً لاعتراض أي سفينة، ومصادرة أي أصول، وحتى تنفيذ عمليات عسكرية دون الحاجة لإعلان حرب رسمي من الكونغرس.
ويأتي هذا التصنيف في سياق استراتيجية “الضغط المتصاعد” التي اعترفت سوزي وايلز، كبيرة موظفي البيت الأبيض، بأن هدفها الحقيقي هو تغيير النظام، مصرحة لمجلة فانيتي فير بأن ترامب “يريد الاستمرار في تفجير القوارب حتى يستسلم مادورو ويعلن خضوعه”. ويفضح تصريح كبيرة الموظفين زيف كل الادعاءات حول “الحرب على الناركو (المخدرات)”، التي بذريعتها شنت القوات الأمريكية حملة دموية في المياه الدولية بالكاريبي والمحيط الهادئ، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 95 شخصاً في 25 غارة موثقة على قوارب صيد وسفن صغيرة. وتتحدث تقارير مروعة، نقلتها صحيفة واشنطن بوست، عن أوامر صادرة من وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث بـ “قتل الجميع”، حيث أفادت المعلومات بأن القوات الأمريكية أطلقت النار على ناجين كانوا يتشبثون بحطام القوارب بعد الغارات الأولى.
وتشكل هذه الممارسات جرائم حرب وانتهاكات صارخة للقانون الدولي الإنساني، حيث يتم إعدام صيادين وبحارة فنزويليين خارج نطاق القضاء، ودون تقديم أي دليل ملموس على تورطهم في تهريب المخدرات، في وقت تؤكد فيه البيانات الدولية أن فنزويلا ليست دولة منتجة للكوكايين، وأن غالبية المخدرات التي تعبر المنطقة مصدرها كولومبيا (الحليفة التاريخية لواشنطن).
هذا، وفي الوقت الذي تحاصر فيه واشنطن الشعب الفنزويلي وتمنع عنه الغذاء والدواء عبر خنق صادراته النفطية، منحت إدارة ترامب استثناءً خاصاً لشركة “شيفرون” الأمريكية لمواصلة عملياتها في فنزويلا وتصدير النفط إلى الولايات المتحدة. وأكد المتحدث باسم الشركة، بيل تورين، أن عمليات شيفرون مستمرة دون انقطاع وبالامتثال الكامل للقوانين الأمريكية.
ويكشف هذا الاستثناء عن دوافع ترامب الحقيقية؛ فالهدف ليس منع النفط الفنزويلي من الوصول للأسواق، بل ضمان أن تكون الشركات الأمريكية هي المستفيد الوحيد منه، وحرمـان الدولة الفنزويلية من أي عوائد قد تستخدمها في برامجها الاجتماعية أو تنمية اقتصادها المستقل. وتذهب حوالي 15% إلى 17% من صادرات فنزويلا النفطية حالياً إلى الولايات المتحدة عبر بوابة “شيفرون”، بينما يتم ملاحقة وقرصنة الـ 80% المتبقية التي تذهب بشكل أساسي للصين وكوبا.
ويهدف الحصار البحري إلى تصفير صادرات فنزويلا النفطية، التي تشكل شريان الحياة للاقتصاد الوطني وتمثل 88% من عائدات التصدير. ويحذر خبراء، ومنهم ديفيد غولدين المسؤول السابق في الخارجية الأمريكية، من أن هذا الحصار سيؤدي إلى خسارة فنزويلا لما يصل إلى 80% من إيراداتها الحكومية، ما سيتسبب في نقص حاد في الغذاء والدواء، وتضخم هائل، وموجات هجرة قسرية جديدة.
وبحسب خبراء، فإن واشنطن من خلال هذا التجويع الممنهج إلى تأليب الشعب الفنزويلي ضد قيادته، ودفع الجيش البوليفاري للانقلاب رئيس البلاد المنتخب مستخدمة المعاناة الإنسانية كسلاح سياسي، في إعادة للسيناريو السوري وتطبيقاً حرفياً لسياسة العقاب الجماعي المحرمة دولياً.
في مواجهة هذا العدوان، تبنت كاراكاس موقفاً حازماً، واصفة التصرفات الأمريكية بـ”القرصنة الدولية” التي تنتهك حرية التجارة والملاحة. وأصدرت الحكومة الفنزويلية بياناً أدانت فيه ادعاءات ترامب بملكية ثروات فنزويلا، مؤكدة أن “الرئيس الأمريكي يفترض في منشوراته أن نفط فنزويلا وأراضيها وثرواتها المعدنية هي ممتلكات خاصة به، ويطالب بتسليمها فوراً، وهو ما يعكس عقلية لصوصية”.
وأعلن الرئيس نيكولاس مادورو التعبئة العامة، مستنداً إلى قوة الميليشيا الوطنية البوليفارية التي تضم (رسمياً) 4.5 مليون عضو، متعهداً بالدفاع عن كل شبر من الأراضي والمياه الفنزويلية ضد الحرب المفتعلة التي تشنها واشنطن. وتعتبر كاراكاس أن الدفاع عن سيادتها النفطية هو دفاع عن وجود الدولة نفسها في وجه محاولات إعادة فرض الاستعمار.
التصعيد العسكري تزامن مع حراك سياسي تقوده المعارضة اليمينية المرتبطة بواشنطن، حيث توفر شخصيات مثل ماريا كورينا ماتشادو الغطاء السياسي للعدوان الأمريكي، داعية من العواصم الأوروبية إلى تشديد الخناق المالي على بلادها، مسوقة الحصار والتجويع على أنهما خطوات ضرورية “لتحرير” فنزويلا، بينما تشير كافة المعطيات إلى أن الهدف هو تسليم مفاتيح الثروة الوطنية للشركات الأمريكية الكبرى، تماماً كما كان الوضع في فنزويلا مرحلة قبل التأميم.
إن ما يجري في الكاريبي اليوم فصل جديد من فصول العدوان الأمريكي في إطار استراتيجية إدارة ترامب لإعادة فرض هيمنة واشنطن على أمريكا اللاتينية بمنطق أشد صلفاً من مبدأ “مونرو” الإمبريالي، حيث الأساطيل البحرية تستعرض لفرض إرادتها على الشعوب الحرة، وسرقة مواردها في وضح النهار، تحت مسميات زائفة لم تعد تنطلي حتى على الأمريكيين أنفسهم.
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2025-12-18