تراب يعفر وجهك الكريم يا وجه العراق لأكبر !
نصير المهدي.
تراب يعفر وجهك الكريم يا وجه العراق لأكبر من كل القصائد وأعظم من كل الكلمات وأشرف من كل المواقف وأطهر من كل ثوب ..
أنت وجه العراق وصفحات التاريخ وبشارة المستقبل ..
إحتضنت سلاحك وكنت في أول الصفوف فأصابتك المعارك بنيرانها وأبيت الا أن تطهر الأرض بدمك .. ما كنت لتستشهد لولا أنك بإقدامك كنت في المقدمة .
فأي الكلمات تفيك قدرك أيها الشهيد وأي القصائد تصعد الى حيث روحك الطاهرة ..
تقبل الأرض وقع أقدامك وتحت حذائك كل من يقف محايدا بينك وبين أعداء العراق .. بعد أن سحقت الأخيرين أنت ورفاقك الأبطال الشجعان ..
العراق عراقكم أنتم لا عراق المرجفين والمشككين ومن يختزنون في نفوسهم الآسنة القيح المتعفن الذي أعماهم وأصمهم وأبكمهم عن رؤية ما يدبر للعراق وأهله الغيارى أو سماع أنات الضحايا أو قول كلمة الحق في مواجهة جحافل الغزاة من كل أصقاع الأرض الذين هرعوا لتدمير هذه البلاد فكان سلاحك أصدق الآيات التي رسمها بشر بدمائهم فهنيئا لك هذا الشرف العظيم ..
وأثبت في مستنقع الموت رجله *** وقال لها من دون أخمصك الحشر
*******************************
( 2 )
قصص أبطال العراق ومآثرهم بل وملاحمهم لا تملأ مجلدات وحسب بل تكفي لأن تحكيها الأمهات لأطفالهن على مدى سنوات طويلة : صمود بطولي وثبات في ساحات الوغى وتدافع نحو الشهادة وحتى تزاحم على نيلها وأذكر بالقفز إلى الشاحنات في مشهد لم نعرف له مثيلا حقيقيا في أي بلد آلاف الشباب يركضون وكأنهم في سباق من أجل نيل مكسب أو الطمع في حصة في شئ ثمين ويركبون الشاحنات من أطرافها ليحجزوا لهم مكانا في تلك الملحمة الخالدة التي لم تنل نصيبها من المجد الذي تستحق بل تمت سرقتها من لصوص العملية السياسية الذين يحتمون خلف جدران الخوف في المنطقة الخضراء أو أصحاب المافيات الذين يتقاسمون دماء الشهداء بعد أن استولوا على أموال بلادهم ثم يصرفون الدماء التي سالت مدرارا في سوق العملات .
في العراق قضى عشرات الآلاف من العراقيين نعم عشرات الآلاف وأكثر ومئات آلافهم في مقابرهم الجماعية وأيضا كان المشهد العراقي فريدا لا مثيل له ثم جاء تجار الأحزاب التي تأسست جميعها وبدون استثناء خارج العراق وليس لها جمهور أو تاريخ أو تقاليد أو أعراف وزعمت أن قوافل الشهداء لها ومع أن التضحيات كانت فادحة فقد كان الثمن الذي قبضوه كبيرا لهم وباهظا للعراق وحقا لا خبر جاء لهم ولا وحي نزل فيهم وكل ما زعموه من تاريخ ووجود وعمليات وجهاد وغيرها من التعبيرات الطنانة مجرد أكاذيب وادعاءات رخيصة أخذوا مقابلها ما لا يستحقون ثراء فاحشا وأموالا طائلة وقصورا منيفا في داخل العراق وخارجه وحسابات خيالية واستثمارات كبيرة وبالطبع لا شي منها أصاب العراق الذي يعاني الخراب في شوارعه وطرقه وأبنيته وحقا فإن ما من حجارة تسقط من بناء عام وتعوض وتكفي عشر سنوات قادمة لكي تتحول كل الأبنية الحكومية إلى خرائب .
ومثل تلك السيرة هذه التضحيات العظيمة والبطولات الفريدة والعطاء الكبير لأبناء العراق في التصدي لوحوش الإرهاب الذين بدأوا من بقايا أجهزة صدام وآل المجيد الأمنية وشيوخ حملته الإيمانية المزعومة ثم تطور وتصاعد وتناسل من مختلف القنوات التي تسعى في تدمير العراق وكل حركتها تصب في صالح المخططات الغربية والصهيونية في نشر الخراب والفوضى والانقسام والتقاتل والتنافر المجتمعي .
مثل تلك كانت هذه نهبا للأحزاب والمليشيات التي سارعت إلى ركوب الموجة والاستحواذ على نتائجها وصار كل طرف يدعي أنه قائد الفداء وصانع النصر ثم كانت النتيجة بائسة حين جلست الأطراف التي كانت تسعى في جر العراقيين إلى أتون الفتن الطائفية تتقاسم المناصب وما تدره من امتيازات بل والأنكى من ذلك أنهم انخرطوا في جبهات وأصبحوا حلفاء بعد أن كانوا يتقاطفون اتهامات الإثارة والتشنيع .
وحتى الحراك التشريني العظيم الذي كاد أن يقلب ظرف العراق المنكوب بالاحتلال والطبقة السياسية الفاسدة والعملية التي حملها إلى السلطة بكل تلاوينها رأسا على عقب ويعيد الأمور إلى نصابها لولا أن سارع سراق الثورات ومصادرو الانجازات الكبرى إلى الالتفاف على الحدث وتطويقه والأستحواذ عليه لينتج أسوأ نتيجة لحدث عظيم وهي هذه الحكومة القائمة وما ينتظر العراق خلال السنة القادمة عندما يحل موسم ” الانتخابات ” وحقا لم يحدث في أي وضع مشابه أن أنتج حادث ثوري نكوصا كبيرا إلى الضد من آماله وتطلعاته وما كان ينتظر من تغييرات كبرى سقيت بالدماء الطاهرة .
^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^
( 3 )
في ذكرى هذه المناسبات التاريخية العظيمة التي لم تنل ما يستحقها لا من حكومة ولا حتى من مواطنيها وأي مناسبة أعظم من هذه وثلث البلاد كان محتلا من قطعان الهمجية التي جمعوها من مختلف أشتات العالم فصار العراق ثم بعد ذلك سوريا المنطقة التي ترمى فيها أقذر نفايات الإرهاب تنفيذا لمقولة الرئيس الأمريكي جورج بوش الثاني بأن العراق هو ميدان الدفاع عن الولايات المتحدة في مواجهة الإرهاب وهي المقولة – الخطة التي بصم عليها كل رؤوساء الحكومات ” العراقية ” لمرحلة ما بعد الإحتلال وكأنها قسم الولاء .
استذكار المناسبة لا يكون بالاحتفالات والمهرجانات الراقصة ورفع الأعلام ولافتات التمجيد وكل هذا وهو القليل لم يحصل أو يقع في ظل حكومات تعجز عن ابتكار نصب لائق يمجد أبطال هذه الملاحم .
المراجعة واستنباط الدروس الضرورية واللازمة هو ما تقتضيه مثل هذه المناسبات الوطنية الكبرى وأول الملاحظات لماذا يكون هذا النصر العظيم موقوفا على شريحة من المجتمع العراقي دون سواها ولماذا يحول ضيق الأفق الطائفي في الجانبين دون تجاوز هذا الحصر المعيب للمناسبة إلى مداها الوطني .
ثم أن للكارثة الكبرى التي حلت بالعراق وهي الثالثة بعد حروب صدام المجنونة والمشبوهة ثم الاحتلال ثانيا قبل هذه المصيبة العظمى التي استنزفت الثروات وأزهقت الأرواح وعطلت فرص وامكانات التطور ووضعت جدرانا من العداوات المحلية إن لها جذورا ومقدمات سواء على صعيد السلطات التي نصبها الاحتلال وممارساتها العملية والإعلامية أو على مستوى من رفع شعار معارضة هذه السلطات أو مقاومتها بل وحتى ” مقاومة ” الاحتلال ولا أدري كيف بعد تلك الأثمان الفادحة والباهظة تمت مكافأة الحاكم ومعارضيه وصاروا شركاء في قطف المغانم .
وكما يتحمل صدام مسؤولية الكوارث التي مرت بالعراق منذ توليه المركز الأول في سلطة البعث والتي انتهت بتسليم البلاد للإحتلال وكان يمكن تجنب كل النتائج الكارثية لو أن الأقدار رحمت العراق بحاكم غيره ولو من نفس الطغمة فإن نوري المالكي يتحمل هو الآخر مسؤولية المآلات التي سار إليها العراق مرغما وكان من اليسير جدا ألا يقع فيها العراق ولعل المشترك بين الشخصين هو أن كلاهما كلف ابنه الجاهل بقيادة أخطر المعارك المصيرية فقادا العراق إلى الوضع المأساوي الذي هو فيه وإن كان الأول نال جزاءه بجرائمه فإن الثاني يتبختر بين أقرانه ويعد نفسه بمستقبل باهر .
ثم أن أشرف المعارك في تاريخ العراق المعاصر وأقساها كانت تطحن الفقراء وتهرس لحومهم وهم يتسابقون إلى أتونها بنفوس راضية وقلوب مطمئنة وبعد عامين من انجلاء غبارها بقي الفقير فقيرا وخاصة في الوسط الشيعي الذي تحمل العبء الأكبر وانبرى تجار قطف الانتصارات والتضحيات يخضمون مال الله والناس والفقراء ويتنازعون على أبوة هذا الربح الوطني العظيم الذي صنعه أبناء الفقراء بدمائهم الزكية .
بعد عامين من إعلان النصر تعود بعض العصابات إلى ممارسة نشاط الغدر والقتل في أماكن عديدة يجمعها أنها مما يسمونه المناطق المتنازع عليها وهي في حقيقتها أماكن الأطماع التوسعية للقيادة الكردية في مشروع الدولة المؤجل وقد كتبت منذ سنوات بأن نصف الأعمال الإرهابية التي تستهدف المواطنين الأبرياء لا علاقة لها بتنظيمات الإرهاب المعروفة وهي صورة من الصراعات السياسية التي يدفع ثمنها أناس لا ناقة لهم في تلك الصراعات ولا جمل وأشرت إلى الدور المشبوه للقيادة الكردية التي تستضيف العديد من قادة الإرهاب وعلى رأسهم المطلوب للسلطات عزة الدوري والأماكن المنتقاة للغدر بالجيش والشرطة والحشد الشعبي تؤشر إلى من يجب أن يتهم ويلاحق ويحاسب لو كان هناك من يحرص على دم العراقيين ومصالحهم .
بعد عامين من النصر الكبير والعظيم وعام من الحراك الشعبي وأعوام من التضحيات الجسام وما مر عام ليس فيه تضحيات وقرابين يقدمها العراق للأسف كل الأسف تضحيات العراقيين دائما تذهب هباء .
