تجديد الغلاف القانونى للمجتمع العالمى!
د. محمد عبدالشفيع عيسى
كدْتُ أُضيف كلمة أو كلمتين لعنوان هذا المقال بحيث يكون: (تجديد الغلاف القانونى للمجتمع العالمى: هذا أو الضياع). نعم هذا أو الضياع، حيث يدل اسم الإشارة (هذا) إلى تجديد الغلاف القانونى للمجتمع العالمى. أما الضياع فنعنى به ضياع كينونة الوجود البشرى، كما نعرفه، لأسباب شتّى، من بينها التلوث البيئى المتصاعد، ولو من خلال الانبعاثات الغازية المغلفة للمحيط الحيوى بأجمعه، بحيث يمكن أن تصبح «بيئة النشاط الإنسانى» الراهنة غير قابلة لاستمرار الحياة، بصورة أو أخرى. ثم هناك الميل المتصاعد نحو الاستخدام الشامل للعنف، بل العنف المسلح، لتسوية النزاعات والصراعات الدولية المتكاثرة من كل حدب وصوب. ويشير ذلك إلى عوامل، وفواعل، الهدم والتدمير، التى تكاد تصيب الكوكب الأرضى بالضمور والتآكل التدريجى المتصاعد، وصولاّ، محتملاً، إلى (يوم القيامة) – من صنع البشر حين ينتهى الأمر إلى منتهاه المتوقع، أى الضياع الكامل، أو ما يشبه ذلك، لهذا الكوكب السابح فى الفضاء اللانهائى.
وهنا يجىء السؤال الكبير، مصحوبًا، بعلامة الاستفهام: كيف يمكن العمل على الحيلولة دون حدوث ذلك؟
فى محاولة للإجابة عن هذا السؤال الاستفهامى، نذكر أن (مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية) كانت شهدت تطورًا إيجابيا ملحوظًا فى النظام العالمى، لأسباب عدة، وإن كان فى مقدمتها: الاستقرار الدولى الإيجابى، النسبى، فى إطار التوازن القائم على ما سمّى بنظام «القطبية الثنائية» الأمريكية -السوفيتية.
هذا التطور الملحوظ، كان مصاحبًا لتصاعد التوترات النووية، من 1945 إلى 1990، و إن تمّ كبح جماحها بفعل «الاستقرار المتوازن النسبى» للنظام الدولى. ومن عجب أننا –نحن العرب- أو (الوطن العربى …) كان لنا نصيب من تحقيق ذلك، بفعل (حرب أكتوبر العسكرية والنفطية) لعام 1973، التى كان لها أثر لا يمكن إنكاره على دعم حالة الاستقرار المتوازن النسبى المذكور. وقد قيل يومها على بعض ألسنة البحث و الإعلام إن الوطن العربى أصبح، أو يوشك أن يصبح، القوة السادسة فى العالم، إلى جانب القوى الخمس المتمثلة رمزياً فى الدول الخمس ذات الحق فى الاعتراض أو (الفيتو) داخل مجلس الأمن، أكبر أذرع منظومة الأمم المتحدة العتيدة.
اعتبارًا من عام 1973، بعد الحرب مباشرة، بدأ يطل عصر جديد، إلى حد ما، وخاصة فى مجال التنظيم الدولى والقانون الدولى العام، وكان التنظيم الدولى ساحته الأمم المتحدة، التى شهدت بعضا من أكبر علامات التطور- ذات الطابع التاريخى – فى «القانون الدولى» بالذات. ولما أصبح للعالم (الثالث – النامى) وزن نسبى أكبر بكثير عما قبل، إلى جانب توازن القوتيْن – القطبين – فقد تهيأ الظرف المناسب لحدوث عملية أُطلِق عليها (صياغة القانون الدولى الجديد).
ومن خلال الوزن النسبى المتصاعد، للعالم (الثالث) فى ظل ظرف التوازن العالمى، الذى ذكرنا، استطاعت (الجمعية العامة للأمم المتحدة) وهى الملعب الفسيح، للقوى الدولية الجديدة، أن تحقق الأغلبية الضرورية لتمرير مجموعة من الوثائق القانونية الدولية، المكملة لعدد آخر من الوثائق التى صيغت بعد 1945 مباشرة. ومن هذه وتلك، تكونت ترسانة من القواعد القانونية التى صار يطلق عليها القانون الدولى الجديد بحق. وهكذا، عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية فى 1945، كانت قد تمّت صياغة (اتفاقات شارعة) فى مقدمتها اتفاقات جنيف الأربعة لضبط السلوك الدولى وقت الحرب لعام 1949، لحماية غير المشاركين فى القتال : الجرحى والمرضى من الجنود، و أسرى الحرب، والمدنيون. ثم هناك الإعلان العالمى لحقوق الإنسان الذى أقرته الأمم المتحدة فى 10 ديسمبر عام 1948، وماتلاه من استكمال متنوع، وكذا (اتفاقية منع الإبادة البشرية) عام 1948. وبعد ذلك، وخاصة بعد 1974 وحتى منتصف ثمانينيات القرن الماضى تقريباً ، جاءت الدفعة الثانية من بناء صرح القانون الدولى.
أما أهم علامات «الدفعة الثانية» تلك، بعد 1973، فتمثلت فيما يلى:
– صياغة وإقرار مجموعة اتفاقات ووثائق تمثل ما يعتبر بمثابة القانون الدولى الاقتصادى، انطلاقًا من مبدأ «سيادة الدولة على مواردها». ولا ننس الصياغة المتدرجة المتراكمة لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار بين 1973 و1982، التى أقرت صيغة متوازنة لحقوق الدول فى الثروة البحرية من حيث تحديد مساحة (المياه الإقليمية) والمناطق الاقتصادية الخالصة، إلى جانب اقتسام ثروات المحيطات وأعماق البحار..الخ.
– استكمال صياغة جوانب مهمة، مما يسمّى القانون الدولى الإنسانى، لتأكيد الطابع الجوهرى لحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية وغيرها .
– كما لا ننسى التطور فى مجالات (القانون الدولى الخاص) للحفاظ على حقوق الأفراد والجماعات، والتى تكمل التطورات الإيجابية فى (القانون الدولى العام). ولقد توقفت عملية التطور القانونى الدولى، منذ منتصف الثمانينيات تقريبا، وخاصة بعد سقوط «صيغة القطبية الثنائية» – بانهيار الاتحاد السوفيتى – عام 1990 وما كان يمثله ذلك من توازن نسبى واستقرار دولى معتبَر.
ولاشك أن ضمور التطور القانونى بعد 1990 مصاحبًا لصعود «القوة العظمى الوحيدة»-الولايات المتحدة الأمريكية – قد مهّد السبيل لانهيار أركان المنظومة الدولية كما عرفناها خلال مرحلة (1945-1990) بحيث صار استخدام العنف الشامل هو الأداة (المفضلة) لتسوية النزاعات. كما تفاقمت المظالم الدولية الإقليمية، إلى حدّ العودة لاستخدام «الإبادة البشرية الجماعية»، كما هو الحال فى فلسطين وفى غزة تحديدًا خلال 2023-2025. فكيف يمكن للبشرية أن تتجنب المصير المظلم الذى سيصبح واقعًا، محتومًا للأسف، إن لم تجر عملية إعادة إصلاح المنظومات القانونية الدولية، وبحيث يصبح تجنب «المصير المظلم» ممكنا، لو تمت عملية إعادة تجديد الغلاف القانونى للمجتمع العالمى، من خلال استئناف مسار التطور الإيجابى الذى كان جاريًا من قبل. فهل يمكن أن تنعقد الإرادة الدولية، على ذلك، أو على مثله، فى وقت قريب؟
> أستاذ متفرغ فى معهد التخطيط القومى بالقاهرة
2025-01-28